بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٤٥٥ - هل تصح الجعالة على الحج مع كونه عملاً معلوماً؟
وأخرى بأن أكل المال وتملّكه لا يكون في الجعالة إلا من قبيل الداعي على التخضّع لله تعالى بالعمل العبادي وهذا لا يضرُّ بالعباديّة، أي لا يعتبر في العباديّة إلا أن يؤتى بالعمل بداعي التخضّع له عزَّ وجل ولا يعتبر كون المحرك نحو الفعل هو الداعي الإلهي بل يكفي قصد التخضّع وإن كان الداعي إليه دنيوياً.
الوجه الثاني: أن الحج عمل معلوم وما يكون معلوماً لا تصح الجعالة عليه، وإنما تصح في العمل المجهول للضرورة من جهة تعذر الإجارة عليه.
وهذا الكلام نُسب إلى بعض فقهاء الشافعية وهو المزني، حيث ذكره وجهاً لما اختاره بل قيل [١] : إنه اختيار معظم فقهاء الشافعية من عدم صحة الجعالة على الحج.
والملاحظ أن تعرض فقهائنا (قدَّس الله أسرارهم) [٢] لجواز الجعالة على الحج كما تجوز الإجارة عليه إنما كان بلحاظ خلاف من ذُكر من الشافعية استناداً إلى الوجه المتقدم آنفاً.
ويمكن أن يقال في تقريب هذا الوجه: إن البيع والإجارة والجعالة والقرض والهبة والصلح وغيرها إنما هي معاملات عقلائية لكل منها مورد محدد عندهم، ولا يجوز استخدام بعضها في مورد البعض الآخر.
مثلاً: البيع مورده العين الخارجية فلا مجال لبيع المنافع بل موردها الإجارة، وكذلك المضاربة موردها الاتّجار بالأعيان فلا تتأتّى في الاستثمار بنحوٍ آخر، والوديعة موردها جعل صيانة عينٍ على عهدة الغير فلا تتأتّى في المال الذي يُعطى للغير ليتصرف فيه ويدفع بدله لاحقاً [٣]، والصلح مورده التنازع بين طرفين ولا أقل وجود اشتباه في البين فلا يصح في غير ذلك.
[١] المجموع شرح المهذب ج:٧ ص:١٢٢. فتح العزيز شرح الوجيز ج:٧ ص:٥٢.
[٢] لاحظ القواعد والفوائد ج:١ ص:٤١٣، والدروس الشرعية في فقه الإمامية ج:١ ص:٣٢٥.
[٣] ولهذا كان ما يسمى بالإيداع في البنوك خارجاً في واقعه عن الوديعة بل مندرجاً في القرض لأنه لا بد في الوديعة من الاحتفاظ بالعين والبنك لا يحتفظ بعين المال الذي يدفع إليه وإنما يضمن بدله.