كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٦٦٧ - فائدة
المباح و فعل غير المكلف حسن إذ لا حرج في الفعل، و القبيح هو الحرام لا غير. و أما المكروه فلا حرج في فعله، فينبغي أن يكون حسنا، اللّهمّ إلّا أن يقال عدم لحوق المدح الذي في الترك حرج في الفعل فيكون قبيحا.
و الحرج إن فسّر باستحقاق الذمّ يكون هذا التفسير راجعا إلى الأول، إلّا أنه لا تتصور الواسطة بينهما حينئذ و إن فسّر باستحقاق الذم شرعا يكون راجعا إلى تفسير الأشعري، إلا انه لا تتصور الواسطة حينئذ أيضا، و يكون فعل اللّه تعالى حسنا بعد ورود الشرع و قبله إذا لا حرج فيه مطلقا و أمّا على تفسير من قال الحسن ما أمر الشارع بالثناء على فاعله، و القبيح ما أمر بذمّ فاعله، فإنّما يكون حسنا بعد ورود الشرع لأنه تعالى أمر بالثناء على فاعله لا قبله، إذ لا أمر حينئذ، اللّهم إلّا أن يقال الأمر قديم ورد أو لم يرد. و هذا التفسير راجع إلى تفسير الأشعري أيضا كما لا يخفى.
اعلم أنّ فعل العبد قبل ورود الشرع حسن بمعنى ما لا حرج فيه و واسطة بينهما على تفسير الأشعري، و هذا التفسير الأخير. و أما بعد ورود الشرع فهو إمّا حسن أو قبيح أو واسطة على جميع التفاسير. و بعض المعتزلة عرّف الحسن بما يمدح على فعله شرعا أو عقلا، و القبيح بما يذمّ عليه فاعله. و لا شكّ أنه مساو للتعريف الأول إلّا أن يبنى التعريف الأول على مذهب الأشعري. و بعضهم عرّف الحسن بما يكون للقادر العالم بحاله أن يفعله، و القبيح بما ليس للقادر العالم بحاله أن يفعله. القادر احتراز عن فعل العاجز و المضطرّ فإنّه لا يوصف بحسن و لا قبيح. و قيد العالم ليخرج عند فعل المجنون و المحرّمات الصادرة عمّن لم يبلغه دعوة نبي، أو عمّن هو قريب العهد بالإسلام. و المراد بقوله أن يفعله أن يكون الإقدام عليه ملائما للعقل، و قس عليه القبيح. فالحسن على هذا يشتمل الواجب و المندوب و المباح، و القبيح يشتمل الحرام و المكروه، و هو أيضا راجع إلى الأول. و بالجملة فمرجع الجميع إلى أمر واحد و هو أنّ القبيح ما يتعلّق به الذمّ و الحسن ما ليس كذلك، أو ما يتعلّق به المدح فتدبّر و لا تكن ممّن يتوهّم من اختلاف العبارات اختلاف المعبرات من أنّ المعاني للحسن و القبيح أزيد من الثلاثة.
اعلم أنّ الحسن و القبح بالمعنيين الأولين يثبتان بالعقل اتفاقا من الأشاعرة و المعتزلة.
و أما بالمعنى الثالث فقد اختلفوا فيه. و حاصل الاختلاف أنّ الأشعرية و بعض الحنفية يقولون إنّ ما أمر به فحسن و ما نهي عنه فقبيح.
فالحسن و القبح من آثار الأمر و النهي.
و بالضرورة لا يمكن إدراكه قبل الشرع أصلا.
و غيرهم يقولون إنه حسن فأمر به و قبيح فنهي عنه. فالحسن و القبيح ثابتان للمأمور به و المنهي عنه في أنفسهما قبل ورود الشرع، و الأمر و النهي يدلّان عليه دلالة المقتضى على المقتضي. ثم المعتزلة يقولون إنّ جميع المأمورات بها حسنة و المنهيات عنها قبيحة في أنفسها، و العقل يحكم بالحسن و القبح إجمالا، و قد يطّلع على تفصيل ذلك إمّا بالضرورة أو بالنظر و قد لا يطلع. و كثير من الحنفية يقولون بالتفصيل. فبعض المأمورات و المنهيات حسنها و قبحها في أنفسها، و بعضها بالأمر و النهي. هذا هو المذكور في أكثر الكتب. و في الكشف نقلا عن القواطع [١] أنّ أكثر الحنفية و المعتزلة متفقون على القول بالتفصيل. هذا كله خلاصة ما في
[١] القواطع في قواعد العقائد ذكره حاجي خليفة، ج ٢، ص ١٣٥٧، و لم يذكر اسم مؤلفه.
و هناك كتاب قواطع الاسلام في الألفاظ المكفّرة لابن حجر الهيثمي أحمد بن علي المكي الشافعي (- ٩٧٤ ه) كشف الظنون، ٤/ ٢٤١.