كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٥٢٥ - فائدة
قبول التوبة على اللّه بناء على أصلهم الفاسد.
اعلم أنهم اختلفوا في التوبة المؤقّتة مثل أن لا يذنب سنة و في التوبة المفصّلة نحو أن يتوب عن الزنا دون شرب الخمر، بناء على أنّ الندم إذا كان لكونه ذنبا عم الأوقات و الذنوب جميعا أو لا يجب عمومه لهما. فقيل يجب العموم. و قيل لا يجب ذلك كما في الواجبات، فإنه قد يأتي المأمور ببعضها دون بعض، و في بعض الأوقات دون بعض، و يكون المأتي بها صحيحا في نفسه بلا توقّف على غيره مع أنّ العلّة للإتيان بالواجب هو كونه حسنا واجبا. ثم الظاهر أنّ التوبة طاعة واجبة فيثاب عليها لأنها مأمور بها قال اللّه تعالى: وَ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ [١] و إن شئت التوضيح فارجع إلى شرح المواقف في موقف السمعيات.
و قال في مجمع السلوك التوبة شرعا هي الرجوع إلى اللّه تعالى مع دوام الندم و كثرة الاستغفار. و ما قيل إنّ التوبة هي الندم فمعناه أنّ الندم من معظم أركان التوبة. قال أهل السنة: شروط التوبة ثلاثة ترك المعصية في الحال و قصد تركها في الاستقبال و الندم على فعلها في الماضي. و قال السري السقطي: التوبة أن لا تنسى ذنبك. و قال الجنيد: التوبة أن تنسى ذنبك، و لا تناقض بين العبارتين، فإنها بالمعنى الأول في حق المبتدئ و بالمعنى الثاني في حق المنتهي الكامل، فإنّ العبد إذا بلغ النهاية ينبغي له أن ينسى الذنوب لأن ذكر الجفاء في حالة الوفاء جفاء. و قال الثّوري [٢]
التوبة أن تتوب عن كل شيء سوى اللّه تعالى.
و قال رويم: معنى التوبة أن تتوب من التوبة.
و قيل معناه قول رابعة [٣]: استغفر اللّه من قلّة صدقي في قولي استغفر اللّه. و الحاصل هو أن الاستغفار ينبغي أن يكون مقرونا بصدق المعاملة، و إلّا فليس ذلك بتوبة بل ذنب فوق ذنب [٤]. و قيل التوبة على نوعين: توبة الإنابة و توبة الاستجابة. فتوبة الإنابة أن تخاف من اللّه من أجل قدرته عليك بحيث لو أراد في وقت ارتكاب المعصية أن يعذّبك، فبسبب خوفك من عذابه ترجع عن الذنب [٥]. و توبة الاستجابة أن تستحيي من اللّه بقربه منك يعنى: قال اللّه تعالى: وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ إذن: فما دام يعتبر نفسه قريبا فاللائق إذن أن لا يخطر الذنب ببالك. و يقول بعضهم: التائبون ثلاثة أقسام: عوام، و خواص، و خواصّ الخواص.
فأمّا توبة العوام: العودة عن الذنب، بمعنى الاستغفار باللسان و الندم بالقلب. و توبة الخواص: مراجعة الطّاعات بمعنى رؤية التقصير فيها بحيث لا يرون عبادتهم لائقة بمقام الربوبية، فيعتذرون عن تقصرهم فيها كما لو كانوا مذنبين. و أمّا توبة خاصّة الخاصّة فهي الالتفات من الخلق إلى الحق، أي بعبارة أخرى: عدم رؤية أيّ منفعة أو مضرّة من الخلق و عدم الركون إليهم. إذن فالتوبة في الحقيقة هي
[١] النور/ ٣١.
[٢] هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، أبو عبد اللّه. ولد بالكوفة عام ٩٧ ه/ ٧١٦ م. و توفي بالبصرة عام ١٦١ ه/ ٧٧٨ مولى. أمير المؤمنين في الحديث. عالم بالدين، تقي ورع. له عدة مؤلفات هامة في الحديث. الاعلام ٣/ ١٠٤، وفيات الاعيان ١/ ٢١٠، الجواهر المضية ١/ ٢٥٠، طبقات ابن سعد ٦/ ٢٥٧، حلية الأولياء ٦/ ٣٥٦، تهذيب التهذيب ٤/ ١١١.
[٣] هي رابعة بنت اسماعيل العدوية، أم الخير، مولاة آل عتيك البصرية. ولدت بالبصرة و توفيت بالقدس عام ١٣٥ ه/ ٧٥٢ م. زاهدة صالحة مشهورة. لها أشعار كثيرة في الزهد و التصوف. الاعلام ٣/ ١٠، وفيات الاعيان ١/ ١٨٢.
[٤] حاصل آنكه استغفار مقرون بصدق معامله بايد و الا توبه نباشد بل گناه بر گناه.
[٥] يعني توبه انابت آنست كه بترسي از هر قدرت خداى بر تو كه اگر بخواهد ترا در وقت ارتكاب گناه معذب سازد تا از بيم تعذيب او از گناه بازماني.