كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ١٨٨ - فائدة
من حيث أنها حالة بين طرفيها و آلة لتعرف حالهما مرتبطا أحدهما بالآخر. و لما كانت هذه النسبة التي هي جزء مدلول الفعل لا تتحصل إلّا بالفاعل وجب ذكره، كما وجب ذكر متعلّق الحرف، فكما أنّ لفظة من موضوعة وضعا عاما لكل ابتداء معين بخصوصه، كذلك لفظة ضرب موضوعة وضعا عاما لكل نسبة للحدث الذي دلّت عليه إلى فاعل بخصوصها، إلّا أن الحرف لمّا لم يدل إلّا على معنى غير مستقل بالمفهومية لم يقع محكوما عليه و لا محكوما به إذ لا بدّ في كل منهما أن يكون ملحوظا بالذات ليتمكن من اعتبار النسبة بينه و بين غيره، و احتاج إلى ذكر المتعلق رعاية لمحاذات الأفعال [١] بالصور الذهنية، و الفعل لمّا اعتبر فيه [الحدث] [٢] و ضمّ إليه انتسابه إلى غيره نسبة تامة من حيث أنها حالة بينهما وجب ذكر الفاعل لتلك المحاذاة، و وجب أيضا أن يكون مسندا باعتبار الحدث إذ قد اعتبر ذلك في مفهومه وضعا و لا يمكن جعل ذلك الحدث مسندا إليه لأنه على خلاف وضعه. و أمّا مجموع معناه المركّب من الحدث و النسبة المخصوصة فهو غير مستقلّ بالمفهومية فلا يصلح أن يقع محكوما به فضلا عن أن يقع محكوما عليه كما يشهده [٣] التأمّل الصادق.
و أمّا الاسم فلما كان موضوعا لمعنى مستقل و لم تعتبر معه نسبة تامة لا على أنه منسوب إلى غيره و لا بالعكس صحّ الحكم عليه و به.
فإن قلت كما أنّ الفعل يدل على حدث و نسبة إلى فاعل على ما قررته كذلك اسم الفاعل يدلّ على حدث و نسبة إلى ذات، فلم يصح كون اسم الفاعل محكوما عليه دون الفعل؟. قلت لأنّ المعتبر في اسم الفاعل ذات ما من حيث نسب إليه الحدث، فالذات المبهمة ملحوظة بالذات، و كذلك الحدث. و أمّا النسبة فهي ملحوظة لا بالذات، إلّا أنها تقييدية غير تامة و لا مقصودة أصلية من العبارة تقيدت بها الذات المبهمة و صار المجموع كشيء واحد، فجاز أن يلاحظ فيه تارة جانب الذات أصالة فيجعل محكوما عليه و تارة جانب الوصف أي الحدث أصالة فيجعل محكوما به. و أمّا النسبة التي فيه فلا تصلح للحكم عليها و لا بها، لا وحدها و لا مع غيرها، لعدم استقلالها، و المعتبر في الفعل نسبة تامة تقتضي انفرادها مع طرفيها من غيرها و عدم ارتباطها به، و تلك النسبة هي المقصودة الأصلية من العبارة فلا يتصور أن يجري في الفعل ما جرى في اسم الفاعل، بل يتعيّن له وقوعه مسندا باعتبار جزء معناه الذي هو الحدث.
فإن قلت قد حكموا بأنّ الجملة الفعلية في: زيد قام أبوه محكوما بها. قلت في هذا الكلام يتصور حكمان: أحدهما الحكم بأن أبا زيد قائم، و الثاني أن زيدا قائم الأب، و لا شكّ أن هذين الحكمين ليسا بمفهومين منه صريحا بل أحدهما مقصود و الآخر تبع، فإن قصد الأول لم يكن زيد بحسب المعنى محكوما عليه بل هو قيد يتعين به المحكوم عليه، و إن قصد الثاني كما هو الظاهر فلا حكم صريحا بين القيام و الأب، بل الأب قيد للمسند الذي هو القيام، إذ به يتم مسندا إلى زيد. ألا ترى أنك لو قلت: قام أبو زيد و أوقعت النسبة بينهما لم يرتبط بغيره أصلا، فلو كان معنى قام أبوه ذلك القيام لم يرتبط بزيد قطعا فلم يقع خبرا، و من ثمّ تسمع النحاة يقولون قام أبوه جملة و ليس بكلام، و ذلك لتجريده عن إيقاع النسبة بين طرفيه بقرينة ذكر زيد مقدما، و إيراد ضميره فإنها
[١] الألفاظ (م).
[٢] [الحدث] (+ م).
[٣] يشهد به (م).