كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ١٨٧ - فائدة
و ما قيل الحرف ما يوجد معناه في غيره و أنّه لا يدلّ على معنى باعتباره في نفسه بل باعتباره في متعلقه، فقد اتضح أنّ ذكر المتعلق للحرف إنما وجب ليتحصّل معناه في الذهن إذ لا يمكن إدراكه إلّا بإدراك متعلقه إذ هو آلة لملاحظته فعدم استقلال الحرف بالمفهومية إنّما هو لقصور و نقصان في معناه، لا لما قيل من أنّ الواضع اشترط في دلالته على معناه الإفرادي ذكر متعلقه، إذ لا طائل تحته لأنّ هذا القائل إن اعترف بأنّ معاني الحروف هي النسب المخصوصة على الوجه الذي قررناه، فلا معنى لاشتراط الواضع حينئذ، لأن ذكر المتعلق أمر ضروري إذ لا يعقل معنى الحرف إلّا به، و إن زعم أنّ معنى لفظة من هو معنى الابتداء بعينه إلّا أنّ الواضع اشترط في دلالة من عليه ذكر المتعلّق و لم يشترط ذلك في دلالة لفظ الابتداء عليه، فصارت لفظة من ناقصة الدلالة على معناها غير مستقلة بالمفهومية لنقصان فيها؛ فزعمه هذا باطل. أمّا أولا فلأنّ هذا الاشتراط لا يتصوّر له فائدة أصلا بخلاف اشتراط القرينة في الدلالة على المعنى المجازي. و أمّا ثانيا فلأنّ الدليل على هذا الاشتراط ليس نصّ الواضع عليه كما توهّم لأنّ في تلك الدعوى خروجا عن الإنصاف، بل هو التزام ذكر المتعلّق في الاستعمال على ما يشهد به الاستقراء، و ذلك مشترك بين الحروف و الأسماء اللازمة الإضافة.
و الجواب عن ذلك بأنّ ذكر المتعلق في الحرف لتتميم الدلالة و في تلك الأسماء لتحصيل الغاية، مثلا كلمة ذو موضوعة بمعنى الصاحب و يفهم منها هذا المعنى عند الإطلاق، لكنها إنّما وضعت له ليتوصّل بها إلى جعل أسماء الأجناس صفة للمعارف أو للنكرات، فتحصيل هذه الغاية هو الذي أوجب ذكر متعلّقها، فلو لم يذكر لم تحصل الغاية عند إطلاقه بدون ذكر متعلّقه تحكّم بحت. و أمّا ثالثا فلأنّه يلزم حينئذ أن يكون معنى من مستقلا في نفسه صالحا لأن يحكم عليه و به، إلّا أنّه لا ينفهم منها وحدها، فإذا ضمّ إليها ما يتمّ دلالتها وجب أن يصحّ الحكم عليه و به و ذلك مما لا يقول به من له أدنى معرفة باللغة و أحوالها.
و قيل الحرف ما دلّ على معنى ثابت في لفظ غيره، فاللام في قولنا الرجل مثلا يدل بنفسه على التعريف الذي في الرجل. و فيه بحث لأنّه إن أريد بثبوت معنى الحرف في لفظ غيره أنّ معناه مفهوم بواسطة لفظ الغير أي بذكر متعلّقه، فهذا بعينه ما قرّرناه سابقا، و إن أريد به أنه يشترط في انفهام المعنى منه لفظ الغير بحسب الوضع ففيه ما مرّ، و إن أريد به أنّ معناه قائم بلفظ الغير فهو ظاهر البطلان، و كذا إن أريد به قيامه بمعنى غيره قياما حقيقيا، و لأنه يلزم حينئذ أن يكون مثل السّواد و غيره من الأعراض حروفا لدلالتها على معان قائمة بمعاني ألفاظ غيرها، و إن أريد به تعلقه بمعنى الغير لزم أن يكون لفظ الاستفهام و ما يشبهه من الألفاظ الدّالة على معان متعلّقة بمعاني غيرها حروفا، و كلّ ذلك فاسد.
و قيل الحرف ليس له معنى في نفسه بل هو علاقة لحصول معنى في لفظ آخر، و إنّ في قولك في الدار علامة لحصول معنى الظرفية في الدار، و من في قولك خرجت من البصرة علامة لحصول معنى الابتداء في البصرة، و على هذا فقس سائر الحروف و هذا ظاهر البطلان.
ثمّ الاسم و الفعل يشتركان في كونهما مستقلين بالمفهومية، إلّا أنهما يفترقان في أنّ الاسم يصلح لأن يقع مسندا و مسندا إليه، و الفعل لا يقع إلّا مسندا، فإنّ الفعل ما عدا الأفعال الناقصة كضرب مثلا يدلّ على معنى في نفسه مستقل بالمفهومية و هو الحدث، و على معنى غير مستقل هو النسبة الحكمية الملحوظة