كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٩٢٥ - حرف السين (س)
و عند الأطباء هو أخصّ مما هو عند الحكماء. قال في بحر الجواهر: و أمّا الأطباء فإنّهم يخصون باسم السّبب ما كان فاعلا و لا كلّ سبب فاعل، بل ما كان فعله في بدن الإنسان أوّلا، و لا كلّ ما كان فعله كذلك، فإنّهم لا يسمّون الأمراض أسبابا مع أنّها فاعلة الأعراض [١] في بدن الإنسان، بل ما كان فاعلا لوجود الأحوال الثلاث أي الصحة و المرض و الحالة الثالثة أو حفظها، سواء كان بدنيا أو غير بدني، جوهرا كان كالغذاء و الدواء أو عرضا كالحرارة و البرودة. و لذا عرّفوه بما يكون فاعلا أوّلا فيجب عنه حدوث حالة من أحوال بدن الإنسان أو ثباتها و قد يكون الشيء الواحد سببا و مرضا و عرضا باعتبارات مختلفة. مثلا السّعال قد يكون من أعراض ذات الجنب و ربّما استحكم حتى صار مرضا بنفسه، و قد يكون سببا لانصداع عرق. و لفظ أو في التعريف لتقسيم المحدود دون الحدّ فهو إشارة إلى أنّ السّبب على قسمين: فالذي يجب عنه حدوث حالة من تلك الأحوال يسمّى السبب الفاعل و المغيّر و الذي يجب عنه ثبوت حالة من تلك الأحوال يسمّى السّبب المديم و الحافظ.
ثم السّبب باعتبار دخوله في البدن و خروجه عنه ثلاثة أقسام: لأنه إمّا أن لا يكون بدنيا بأن لا يكون خلطيا أو مزاجيا أو تركيبيا، بل يكون من الأمور الخارجة مثل الهواء الحار أو من الأمور النفسانية كالغضب، فإنّ النفس غير البدن يسمّى بادئا لظهوره من حيث يعرفه كلّ أحد من بدأ الشيء إذا ظهر، و عرّف بأنّه الشيء الوارد على البدن من خارج المؤثّر فيه من غير واسطة.
و إمّا أن يكون بدنيا فإن أوجب حالة من الأحوال المذكورة بغير واسطة كإيجاب العفونة للحمّى يسمّى واصلا لأنّه يوصل البدن إلى حالة. و إن أوجبها بواسطة كإيجاب الامتلاء للحمّى بواسطة العفونة يسمّى سابقا لسبقها على الحمّى بالزمان.
و أيضا السّبب ينقسم باعتبار آخر إلى ضروري و غير ضروري لأنّه إمّا أن تمكن الحياة بدونه و يسمّى غير ضروري سواء كان مضادا للطبيعة كالسّموم أو لا كالتمرّغ في الرمل، و إمّا أن لا تمكن الحياة بدونه و يسمّى ضروريا و هو ستة:
جنس الحركة و السكون البدنيين، و جنس الحركة و السكون النفسانيين، و جنس الهواء المحيط، و جنس النوم و اليقظة، و جنس المأكول و المشروب، و جنس الاستفراغ و الاحتباس، و يسمّى هذه بالأسباب الستة الضرورية و بالأسباب العامة أيضا. و باعتبار آخر إلى ذاتي و هو ما يكون تأثيره بمقتضى طبعه من حيث هو هو كتبريد الماء البارد، و إلى عرضي و هو ما لا يكون كذلك كتسخن الماء بحقن الحرارة.
و باعتبار آخر إلى مختلف و غير مختلف لأنّه إمّا أن يكون بحيث إذا فارق بقي تأثيره و هو المختلف أو لا يكون كذلك و هو غير المختلف.
و من الأسباب الأسباب التّامة هي الأسباب التي أفادت البدن الكمال و منها الأسباب الكلّية و هي ما يلزم من وجوده حدوث الكائنات.
و عند الأصوليين هو ما يكون طريقا إلى الحكم من غير تأثير و لا توقّف للحكم عليه.
فبقيد الطريق خرجت العلامة لأنّها دالّة عليه لا طريق إليه أي مفضية إليه. و بقيد عدم التّأثير خرجت العلّة. و بالقيد الأخير خرج الشّرط. ثم طريق الشيء لا بد أن يكون خارجا عنه فخرج الركن أيضا. و قد جرت العادة بأن يذكر في هذا المقام أقسام ما يطلق عليه اسم السّبب حقيقة أو مجازا، و يعتبر في تعدد الأقسام اختلاف الجهات و الاعتبارات، و إن اتّحدت الأقسام بحسب الذوات. و لهذا ذهب فخر الإسلام إلى
[١] الأمراض (م).