كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٨٩٢ - فائدة
الصّور المناسبة لحاله التي هو فيها مثلما يرى الدموي المزاج ألوانا حمراء، و الصفراوي يرى النار و الجمر، و في حال غلبة الرياح يرى نفسه طائرا. و أمّا السوداوي المزاج فيرى الجبال و الدخان، و كذلك البلغمي يرى المياه و الأمطار و الألوان البيضاء، و رؤية هذين القسمين في النوم لا اعتبار لها. و لا تستحقّ التعبير و تسمّى أضغاث أحلام.
و أمّا طائفة الصوفية القائلين بعالم المثال فلهم في هذا المقام تحقيق آخر و هو مذكور في كتبهم.
و أكثر ما تطلق الرؤيا على الرؤيا الصالحة. و أمّا الرؤيا السّيّئة فيقال لها حلم، بضم الحاء؛ و هذا التخصيص شرعي. و لكنه في اللغة يراد به أي نوع من الرؤى. قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «الرؤيا الصالحة جزء من ستة و أربعين جزءا من النبوة»، متّفق عليه. و في هذا الحديث يمكن ورود عدد من الإشكالات: أولها: أنّه جزء من النبوة فإذن من ليس بنبي لا يرى رؤيا صالحة. بينما الواقع أنّ الرؤيا الصالحة قد تكون لغير الأنبياء أيضا.
و الثاني: هو أنّ النبوة نسبة و صفة، فإذن ما معنى كون الرؤيا الصالحة جزء منها؟.
و الثالث: هو أنّ الرؤيا الصالحة كالمعجزات و الكشف و بقية أوصاف و أحوال الأنبياء التي هي من نتائج و آثار النبوّة و ليس من أجزائها. إذن ما معنى أو ما تأويل وجه الجزئية المذكورة؟
و الرابع: أنّ مقام النبوّة قد ختم، بينما الرؤيا الصالحة باقية. إذن كيف يفهم معنى الجزئية من النبوّة، و ذلك لأنّ وجود الجزء بدون الكلّ أمر محال مثلما هو الكلّ محال بدون الجزء؟
و أخيرا: ما هو التوجيه لتجزئة النبوة إلى ٤٦ جزءا و اعتبار الرؤيا جزءا واحدا منها؟
و الجواب على الإشكال الأول: هو أنّ المراد جزء من النبوة بالنسبة للأنبياء لأنّهم يوحى إليهم في المنام. و هذا الجواب يردّ عليه حديث آخر و نصّه: «رؤيا المؤمن جزء من ستة و أربعين جزءا. الحديث.
و أمّا الجواب على الإشكالات ٢، ٣، ٤، هو أنّ الرؤيا جزء من أجزاء علوم النبوّة، بل أجزاء طرق علوم النبوّة، و علوم النبوّة باقية لما ورد في الحديث: «ذهبت النبوة و بقيت المبشرات و هي الرؤيا الصالحة».
و قال بعضهم: المراد هو أنّ الرؤيا الصالحة أثر من آثار النبوّة، و هي من الفيض الإلهي و الإلهام الرّباني، و هذا الأثر باق من آثار النبوّة و جزء من أصل النبوّة لا يوصف بالجزئية إلّا باعتبار ما كان.
و قال قوم غيرهم: النبوّة هنا بمعناها (اللغوي) الإنباء، أي أنّ الرؤيا الصالحة هي أخبار صادقة لا كذب فيها. و ثمّة تصريح بذلك في بعض الأحاديث. و قال غيرهم: المراد بالجزء ليس المعنى المتعارف عليه عند أهل المعقول (الفلسفة)؛ بل المراد هو أنّ الرؤيا الصالحة صفة من صفات النبوّة و فضيلة من الفضائل العائدة إليها، و قد توجد بعض صفات الأنبياء لدى غير الأنبياء، كما ورد في حديث آخر معناه: الطريق الواضح و الفضيلة و الحكم و الاعتدال من النبوة. و الحاصل: هو أنّ جميع صفات الكمال أصلها عائد للنبوّة و مأخوذ من هناك، و أمّا تخصيص الرؤيا بذلك فلمزيد الاختصاص في باب الكشف و صفاء القلب. و لا شكّ أنّ جميع كرامات (الأولياء) و مكاشفاتهم من ظلال النبوّة و شعاع من أشعتها.
أمّا وجه التخصيص بالعدد ستة و أربعين فهو أنّ زمان نبوة (سيدنا محمد) كان ٢٣ سنة،