كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٨٨٠ - فائدة
الحواس و يحفظ [١] مخزونا عنه [٢] ليعرضه على الروح العقلي الذي فوقه عند الحاجة إليه، و هذا لا يوجد للصبي الرضيع في بداية نشوئه، و ذلك يولع للشيء ليأخذه، فإذا غيّب عنه ينساه و لا ينازعه نفسه إليه إلى أن يكبر قليلا، فيصير بحيث إذا غيّب عنه بكى و طلب لبقاء صورته المحفوظة في خياله. و هذا قد يوجد في بعض الحيوانات دون بعض، و لا يوجد للفراش المتهافت على النار لأنه يقصد النار لشغفه بضياء النار، فيظن أنّ السراج كوّة مفتوحة إلى موضع الضياء فيلقي نفسه عليها فيتأذّى به، و لكنه إذا جاوزه و حصل في الظلمة عادة مرة أخرى. و لو كان له الروح الحافظ المتشبّث لما أدّاه الحسّ إليه من الألم لما عاوده بعد التضرّر. و الكلب إذا ضرب مرّة بخشبة فإذا رأى تلك الخشبة بعد ذلك يهرب. و الثالثة الروح العقلي الذي به يدرك المعاني. الخارجة عن الحسّ و الخيال و هو الجوهر الإنسي الخاص، و لا يوجد للبهيمة و لا للصبي، و مدركاته المعارف الضرورية الكلية. و الرابعة الروح الذّكري الفكري و هو الذي أخذ المصارف العقلية فيوقع بينها تأليفات و ازدواجات و يستنتج منها معاني شريفة. ثم إذا استفاد نتيجتين مثلا ألّف بينهما نتيجة أخرى، و لا تزال تتزايد كذلك إلى غير النهاية. و الخامسة الروح القدسي النّبوي الذي يختصّ به الأنبياء و بعض الأولياء و فيه يتجلّى لوائح الغيب و أحكام الآخرة و جملة من معارف ملكوت السموات و الأرض بل المعارف الربانية التي يقصر دونها الروح العقلي و الفكري؛ و لا يبعد أيها المعتكف في عالم العقل أن يكون وراء العقل طور آخر يظهر فيه ما لا يظهر في العقل، كما لا يبعد كون العقل طورا وراء التميّز [٣] و الإحساس ينكشف فيه عوالم و عجائب يقصر عنها الإحساس و التميّز [٤]، و لا يجعل أقصى الكمالات وقفا على نفسك. ألا ترى كيف يختص بذوق الشّعر قوم و يحرم عنه بعض حتى لا يتميّز عندهم الألحان الموزونة عن غيرها انتهى.
اعلم أنّ كلّ شيء محسوس فله روح.
و في تهذيب الكلام زعم الحكماء أنّ الملائكة هم العقول المجرّدة و النفوس الفلكية، و الجنّ أرواح مجرّدة لها تصرّف في العنصريات، و الشيطان هو القوّة المتخيّلة. و إنّ لكل فلك روحا كليا ينشعب منه أرواح كثيرة، و المدبّر لأمر العرش يسمّى بالنفس الكلّي. و لكلّ من أنواع الكائنات روح يدبّر أمره يسمّى بالطبائع التامة [٥] انتهى. و في الإنسان الكامل اعلم أنّ كل شيء من المحسوسات له روح مخلوق قام به صورته. و الروح لذلك [٦] الصورة كالمعنى للفظ. ثم إنّ لذلك الروح المخلوق روحا إلهيا قام به ذلك الروح، و ذلك الروح الإلهي هو روح القدس المسمّى بروح الأرواح، و هو المنزّه عن الدخول تحت كلمة كن، يعني أنّه غير مخلوق لأنه وجه خاص من وجوه الحق قام به الوجود، و هو المنفوخ في آدم. فروح آدم مخلوق و روح اللّه غير مخلوق. فذلك الوجه في كل شيء هو روح اللّه و هو روح القدس أي المقدّس عن النقائص الكونية. و روح الشيء نفسه و الوجود قائم بنفس اللّه، و نفسه ذاته. فمن نظر إلى روح القدس في إنسان رآها مخلوقة
[١] و يحفظه (م).
[٢] عنده (م).
[٣] التمييز (م، ع).
[٤] التمييز (م، ع).
[٥] بالطباع التام (م، ع).
[٦] لتلك (م، ع).