كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٨٧٨ - فائدة
العباد في كل يوم و ليلة ثلاثمائة و ستين نظرة.
و أما الروح الخفي و يسمّيه السالكون بالأخفى فهو نور ألطف من السّر و الروح و هو أقرب إلى عالم الحقيقة. و ثمّة روح آخر ألطف من هذه الأرواح كلّها و لا يكون هذا لكل واحد بل هو للخواص انتهى. و يجيء توضيح هذا في لفظ السّر و بعض هذه المعاني قد سبق في لفظ الإنسان أيضا.
و القائلون بتجرّد الروح يقولون الروح جوهر مجرّد متعلّق بالبدن تعلّق التّدبير و التصرّف، و إليه ذهب أكثر أهل الرياضات و قدماء المعتزلة و بعض الشيعة و أكثر الحكماء كما عرفت في لفظ الإنسان، و هي النفس الناطقة، و يجيء تحقيقه.
و قال شيخ الشيوخ: الروح الإنساني السماوي من عالم الأمر أي لا يدخل تحت المساحة و المقدار، و الروح الحيواني البشري من عالم الخلق أي يدخل تحت المساحة و المقدار، و هو محل الروح العلوي. و الروح الحيواني جسماني لطيف حامل لقوة الحسّ و الحركة و محلّه القلب، كذا في مجمع السلوك.
قال في الإنسان الكامل في باب الوهم:
اعلم أنّ الروح في الأصل بدخولها في الجسد و حلولها فيه لا تفارق مكانها و محلّها، و لكن تكون في محلّها، و هي ناظرة إلى الجسد.
و عادة الأرواح أنّها تحلّ موضع نظرها فأي محلّ وقع فيه نظرها تحلّه من غير مفارقة لمركزها الأصلي، هذا أمر يستحيله العقل و لا يعرف إلّا بالكشف. ثم إنّه لما نظرت إلى الجسم نظر الاتحاد و حلّت فيه حلول الشيء في هويته اكتسبت التصوير الجسدي بهذا الحلول في أوّل وهلة، ثم لا تزال تكتسب منه. أمّا الأخلاق الرّضيّة الإلهية فتصعد و تنمو به في علّيين. و أما الأخلاق البهيمية الحيوانية الأرضية فتهبط بتلك الأخلاق إلى سجّين. و صعودها هو تمكّنها من العالم الملكوتي حال تصوّرها بهذه الصورة الإنسانية لأنّ هذه الصورة تكتسب الأرواح ثقلها و حكمها، فإذا تصوّر بصورة الجسد اكتسب حكمه من الثّقل و الحصر و العجز و نحوها، فيفارق الروح بما كان له من الخفّة و السّريان لا مفارقة انفصال و لكن مفارقة اتصال لأنّها تكون متّصفة بجميع أوصافها الأصلية، و لكنها غير متمكّنة من إتيان الأمور الفعلية، فتكون أوصافها فيها بالقوة لا بالفعل. و لذا قلنا مفارقة اتصال لا انفصال، فإن كان صاحب الجسم يستعمل الأخلاق الملكية فإنّ الروح تتقوّى و يرفع حكم الثقل عن نفسها حتى لا تزال كذلك إلى أن يصير الجسد في نفسه كالروح، فيمشي على الماء و يطير في الهواء.
و إن كان يستعمل الأخلاق البشرية فإنّه يتقوّى على الروح حكم الرّسوب و الثّقل فتنحصر في سجنه فتحشر غدا في السّجّين، كما قال قائل بالفارسية:
الإنسان تحفة معجونة من أصل ملائكي و آخر حيواني فإن مال إلى أصله الحيواني فهو أدنى منه و إن مال إلى أصله الملائكي فهو أعلى مقاما منه [١]
ثم إنّها لما تعشّقت بالجسم و تعشّق الجسم بها فهي ناظرة إليه ما دام معتدلا في صحته. فإذا سقم و حصل فها الألم بسببه أخذت في رفع نظرها عنه إلى عالمها الروحي، إذ تفريحها [٢] فيه، و لو كانت تكره مفارقة الجسد فإنّها تأخذ نظرها فترفعه من العالم الجسدي رفعا ما إلى
[١]
آدمي زاده طرفه معجونى است
از فرشته سرشته و ز حيوان
گر كند ميل اين شود بد ازين
و ر كند ميل آن شود به از ان.