كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٧٣٨ - التقسيم
القسم الثاني و هو ما علم كذبه و هو كل خبر مخالف لما علم صدقه من الأقسام المذكورة.
القسم الثالث و هو ما لا يعلم صدقه و لا كذبه، فقد يظنّ صدقه كخبر العدل و قد يظنّ كذبه كخبر الكذوب، و قد لا يظن صدقه و لا كذبه كخبر مجهول الحال.
و قد خالف في هذا التقسيم بعض الظاهرية [١]، فقال كلّ خبر لا يعلم صدقه فهو كذب قطعا و فساده ظاهر. و أيضا ينقسم إلى متواتر و آحاد. فالمتواتر خبر بلغت رواته مبلغا أحالت العادة توافقهم على الكذب كما يجيء في محله. و الآحاد خبر لم ينته إلى هذه المرتبة. و في شرح النخبة خبر الواحد في اللغة ما يرويه شخص واحد. و في اصطلاح المحدّثين خبر لم يجمع بشروط [٢] التواتر فيه، و هو يشتمل المشهور و العزيز و الغريب و المقبول و المردود.
اعلم أنّ خبر الرسول صلّى اللّه عليه و سلم في اصطلاح الأصوليين على ثلاثة أقسام. الأول المتواتر و هو الخبر الذي رواه قوم لا يتوهّم توافقهم على الكذب عادة، و يدوم هذا الحدّ من قرن الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلى يومنا هذا، فيكون آخره كأوله و أوله كآخره، و أوسطه كطرفيه. يعني يستوي فيه جميع الأزمنة من أول ما نشأ ذلك الخبر إلى آخر ما بلغ إلى الناقل الأخير، كنقل القرآن و الصلاة الخمس، و أنه يوجب علم اليقين كالعيان علما ضروريا.
و الثاني المشهور و هو ما كان من الآحاد في القرن الأول ثم انتشر حتى ينقله قوم لا يتوهم توافقهم على الكذب، و هو القرن الثاني و من بعدهم، و أنه يوجب علم طمأنينة أي يرجّح جهة الصدق فهو دون المتواتر و فوق الواحد.
و الثالث الخبر الواحد و هو كل خبر يرويه الواحد أو الاثنان فصاعدا، و لا عبرة للعدد فيه بعد أن يكون دون المتواتر و المشهور و أنّه يوجب العمل دون العلم اليقين، هكذا في نور الأنوار.
اعلم أنّ أهل العربية اتفقوا على أنّ الخبر محتمل للصدق و الكذب، و هذا الكلام أيضا يحتمل الصدق و الكذب و لا تفضي عنه إلّا بأن يقال إنّ هذا القول فرد من أفراد مطلق الخبر، فله اعتباران: أحدهما من حيث ذاته مع قطع النظر عن خصوصية كونه خبرا جزئيا. و ثانيهما من حيث عروض هذا المفهوم له، فثبوت الاحتمال له بالاعتبار الثاني لا ينافي عدم لزوم الاحتمال بالاعتبار الأول كاللاتصوّر المتصوّر، و إذا عرفت هذا فاعرف أنّ الخبر هو الكلام الذي يقبل الصدق و الكذب لأجل ذاته أي لأجل حقيقته أي من حيث إنّ فيه إثبات شيء لشيء أو نفيه عنه من غير نظر الى الخارج، و إلى خصوصية الخبر نحو خبر اللّه تعالى، و إلى البرهان الذي يخصّه بالصدق و يرفع احتمال الكذب نحو العالم حادث و بالعكس [٣] نحو العالم قديم، و أيضا من غير نظر إلى خصوص المادّة التي تعلّق بها الكلام كأن يكون من الأمور الضرورية التي لا يقبل إثباتها إلّا الصدق، و لا يقبل نفيها إلّا الكذب نحو اجتماع النقيضين باطل. ثم إنّ الخبر بالنظر لما يعرض له إمّا مقطوع بصدقه كالمعلوم ضرورة كالواحد
[١] من المذاهب الفقهية نسبة إلى الإمام أبي سليمان داود بن علي بن خلف الأصبهاني المعروف بالظاهري. ولد عام ٢٠٢ ه و توفي ببغداد ٢٧٠ ه. و يقوم المذهب الظاهري على العمل بظاهر الكتاب و السنة و الإجماع، و يرفض القياس رفضا تاما.
و من أشهر فقهاء الظاهرية الإمام ابن حزم الأندلسي. وفيات الأعيان ٢/ ٢٥٥، تاريخ التشريع ٢٦٦. المدخل إلى التشريع ١٦٤.
[٢] يجتمع شروط (م، ع).
[٣] العالم حادث و بالعكس (- م، ع).