كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٧٠٥ - فائدة
يتورّع عنها أراد بالحلال مطلق الجائز الشامل للمكروه بدليل قوله: (يتورّع عنها) [١] لا المباح المستوي الطرفين لأنّه لا يتصوّر فيه ورع ما داما مستويين، بخلاف ما إذا ترجّح أحدهما. فإن كان الراجح الترك كره أو الفعل نذب. و الثالث المنع. و الرابع التوقّف. و لقد أطنب ابن الحجر هاهنا الكلام و ذكر أقسام المشتبهات مفصلا.
فمن أراد فليرجع إلى شرحه المذكور.
و قال العيني [٢] في شرح البخاري في كتاب العلم في شرح هذا الحديث بعد ذكر أكثر الأقوال المذكورة: فحصل لنا مما تقدّم ذكره أنّ في المتشابهات المذكورة في الحديث التي ينبغي اجتنابها أقوالا. أحدها أنّها التي تعارضت فيها الأدلة فاشتبهت، فمثل هذا يجب فيه الوقف إلى الترجيح لأنّ الإقدام على أحد الأمرين من غير رجحان الحكم بغير دليل محرم. و ثانيها أنّها المكروهات و هو قول الخطابي و المازري [٣] و غيرهما و يدخل فيه مواضع اختلاف العلماء.
و ثالثها أنّها المباحات. و قال بعضهم هي حلال يتورّع عنها، و قد ردّه القرطبي و اختار القول الثاني. فإن قيل هذا يؤدّي إلى رفع معلوم من الشرع و هو أنّ النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم و الخلفاء بعد و أكثر أصحابه عليهم السلام كانوا يزهدون في التنعّم في المآكل و غيره. قلت ذلك محمول على موجب شرعي اقتضى ترجيح الترك على الفعل فلم يزهدوا في مباح، لأنّ حقيقته التساوي، بل في أمر مكروه. و لكن المكروه تارة يكرهه الشرع من حيث هو و تارة يكرهه لأنّه يؤدّي إليه كالقبلة للصائم فإنّها مكروهة لما يخاف منها من إفساد الصوم. و قد اختلف أصحاب الشافعي رحمه اللّه في ترك الطّيب و ترك لبس الناعم، فقيل ليس بطاعة و قيل إنّه طاعة. و قال ابن الصّبّاغ [٤] يختلف ذلك باختلاف أحوال الناس و تفرّغهم للعبادة و اشتغالهم بالضيق و السعة. و قال الرافعي [٥] من أصحابنا هو الصواب. و أما ما يخرج إلى باب الوسوسة من تجويز الأمر البعيد، فهذا ليس من الشبهات المطلوب اجتنابها، كترك النكاح من نساء بلدكم خوفا عن أن يكون له فيها محرم بنسب أو رضاع أو مصاهرة، و ترك استعمال ماء لجواز عروض النجاسة، إلى غير ذلك ممّا يشتبه بهذا بأن يكون سبب التحريم فيه مجرّد توهّم ليس من الورع. قال القرطبي الورع في مثل هذا وسوسة شيطانية إذ ليس فيه من معنى الشّبهة شيء، و سبب الوقوع في ذلك عدم العلم بالمقاصد الشرعية انتهى. و يجيء ما يتعلّق بهذا في لفظ الشبهة و الورع.
[١] متابعة لمعنى الحديث السابق.
[٢] هو محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد، أبو محمد، بدر الدين العيني الحنفي. ولد عام ٧٦٢ ه/ ١٣٦١ م. و توفي بالقاهرة عام ٨٥٥ ه/ ١٤٥١ م. مؤرخ، علّامة، من كبار المحدثين قاض. له الكثير من المؤلفات. الاعلام ٧/ ١٦٣، التبر المسبوك ٣٧٥، الضوء اللامع ١٠/ ١٣١، شذرات الذهب ٧/ ٢٨٦، اعلام النبلاء ٥/ ٢٥٥، الجواهر المضية ٢/ ١٦٥.
[٣] هو محمد بن علي بن عمر التميمي المازري، أبو عبد اللّه. ولد عام ٤٥٣ ه/ ١٠٦١ م. و توفي عام ٥٣٦ ه/ ١١٤١ م.
محدث، من فقهاء المالكية. له عدة مؤلفات قيّمة. الاعلام ٦/ ٢٧٧، وفيات الاعيان ١/ ٤٨٦، أزهار الرياض ٣/ ١٦٥.
[٤] هو عبد السيد بن محمد بن عبد الواحد، أبو نصر، ابن الصباغ. ولد ببغداد عام ٤٠٠ ه/ ١٠١٠ م. و فيها توفي عام ٤٧٧ ه/ ١٠٨٤ م. فقيه شافعي. درّس بالمدرسة النظامية و عمي آخر حياته. له عدة مؤلفات، الاعلام ٤/ ١٠، وفيات الاعيان ١/ ٣٠٣، طبقات الشافعية ٣/ ٢٣٠، مفتاح السعادة ٢/ ١٨٥.
[٥] هو عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم، أبو القاسم الرافعي القزويني. ولد عام ٥٥٧ ه/ ١١٦٢ م. و توفي بقزوين عام ٦٢٣ ه/ ١٢٢٦ م. فقيه، من كبار الشافعية، مفسّر و محدث. له مصنفات كثيرة و هامة. الاعلام ٤/ ٥٥، مفتاح السعادة ١/ ٤٤٣، طبقات الشافعية ٥/ ١١٩، هدية العارفين ١/ ٦٠٩.