كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٦٨٥ - حركات الأفلاك و ما في أجرامها لها أسماء
أسماء الذوات أي ما هي من أصول الدين أو ما يتعلّق بالقلب كالمؤمن و الكافر و الإيمان و الكفر من قبيل الدينيّة دون أسماء الأفعال أي ما هي من فروع الدين، أو ما يتعلّق بالجوارح كالمصلّي و المزكّي و الصلاة و الزكاة. و الظاهر أنّ الواقع هو القسم الثاني من الحقيقة الدينيّة فقط أعني ما لم يعرف أهل اللغة معناه.
و لا نزاع في أنّ الألفاظ المتداولة على لسان أهل الشرع المستعملة في غير معانيها اللغوية قد صارت حقائق فيها، بل النزاع في أنّ ذلك بوضع الشارع و تعيينه إياها بحيث تدلّ على تلك المعاني بلا قرينة لتكون حقائق شرعية كما هو مذهبنا، أو بغلبتها في تلك المعاني في لسان أهل الشرع. و الشارع إنّما استعملها فيها مجازا بمعونة القرائن فتكون حقائق عرفية خاصّة لا شرعية كما هو مذهب القاضي. فإذا وقعت مجرّدة عن القرائن في كلام أهل الكلام و الفقه و الأصول و من يخاطب باصطلاحهم تحمل على المعاني الشرعية وفاقا.
و أمّا في كلام الشارع فعندنا تحمل عليها إذ الظاهر أن يتكلّم باصطلاحه، و هذه المعاني هي الحقائق بالقياس إليه. و عند القاضي تحمل على معانيها اللغوية لأنّها غير موضوعة من جهة الشارع، فهو يتكلّم على قانون اللغة، فإنّ القاضي ينفي كونها حقائق شرعية زاعما أنّها مجازات لغوية. و الحق أنّه لا ثالث لهما فإنّه ليس النزاع في أنّها هل هي بوضع من الشارع على أحد الوجهين و هو مذهب المعتزلة و الفقهاء أو لا فيكون مجازات لغوية، و هو مذهب القاضي فلا ثالث لها حينئذ. و منهم من زعم أنّ مذهب القاضي أنّها مبقاة على حقائقها اللغوية فتصير المذاهب ثلاثة، كونها حقائق لغوية و كونها مجازات لغوية و كونها حقائق شرعية. و إن شئت الزيادة على هذا القدر فارجع إلى العضدي و حواشيه.
و منها المفهوم المستقل الملحوظ بالذات كمفهوم الاسم و هذا المعنى من اصطلاحات أهل العربية أيضا. قال السيّد السّند قد تستعمل الحقيقة بهذا المعنى في بعض استعمالاتهم كذا في الأطول في بحث الاستعارة التبعية.
و منها الماهية بمعنى ما به الشيء هو هو و تسمّى بالذات أيضا. و الحقيقة بهذا المعنى أعمّ من الكلية و الجزئية و الموجودة و المعدومة.
و أيضا إنّ الباء في به للسببية و الضميران للشيء، فالمعنى الأمر الذي بسببه الشيء ذلك الشيء، و لو قيل ما به الشيء هو لكان أخصر. إن قلت هذا صادق على العلّة الفاعلية فإنّ الإنسان مثلا إنّما يصير إنسانا متمايزا عمّا عداه بسبب الفاعل و إيجاده ضرورة أنّ المعدوم لا يكون إنسانا بل لا يكون ممتازا عن غيره. قلت الفاعل ما بسببه الشيء موجود في الخارج لا ما به الشيء ذلك الشيء، فإنّ أثر الفاعل إمّا نفس ماهية ذلك الشيء مستتبعا له استتباع الضوء للشمس، و العقل ينتزع عنها [١] الوجود و يصفها به على ما قال الإشراقيون و غيرهم القائلون بأنّ الماهية مجعولة، فإنّهم ذهبوا إلى أنّ الماهية هي الأثر المترتّب على تأثير الفاعل. و معنى التأثير الاستتباع ثم العقل ينتزع منها الوجود و يصفها به. مثلا ماهية زيد يستتبعها الفاعل في الخارج ثم يصفها العقل بالوجود و الوجود ليس إلّا اعتباريا عقليّا انتزاعيّا، كما أنّه يحصل من الشمس أثر في مقابلتها من الضوء المخصوص، و ليس هاهنا ضوء منفرد في نفسه يجعل متصفا بالوجود، لكن العقل يعتبر الوجود و يصفه به فيقال وجد الضوء بسبب الشمس.
[١] منها (م).