كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٦٨٦ - حركات الأفلاك و ما في أجرامها لها أسماء
و أمّا الماهية باعتبار الوجود لا من حيث نفسها و لا من حيث كونها تلك الماهية على ما ذهب إليه المشّائيون و غيرهم القائلون بأنّ الماهية ليست مجعولة، فإنّهم قالوا أثر الفاعل ثبوت الماهية في الخارج و وجودها فيه بمعنى أنّه يجعل الماهية متصفة به في الخارج، و أمّا الماهية فهي أثر له باعتبار الوجود لا من حيث هي، بأن يكون نفس الماهية صادرة عنه، و لا من حيث كونها تلك الماهية ماهية. فعلى كلا التقديرين أثر الفاعل الشيء الموجود في الخارج إمّا بنفسه و إمّا باعتبار الوجود لا كون الشيء ذلك الشيء ضرورة أنّه لا مغايرة بين الشيء و نفسه. فإن قلت الشيء بمعنى الموجود فيرد الإشكال المذكور. قلت لا نسلم ذلك بل هو بالمعنى اللغوي، أعني ما يصحّ أن يعلم و يخبر عنه و لو مجازا. و إن سلّمنا بناء على أنّ الأصل في التعريفات الحقيقة و الاحتراز عن المجاز و إن كان مشهورا ففرق بين ما به الموجود موجود فإنّه فاعل و بين ما به الموجود ذلك الموجود فإنه الماهية، إذ لا مدخل للفاعل في كون هذا الموجود الممتاز بهذا الموجود الممتاز، بل تأثيره إمّا في نفسه أو في اتصافه بالوجود على ما عرفت. فإن قلت لا مغايرة بين الشيء و ماهيته حتى يتصوّر بينهما سببية. قلت هذا من ضيق العبارة و المقصود أنه لا يحتاج الشيء في كونه ذلك الشيء إلى غيرها. و هذا كما قالوا الجوهر ما يقوم بنفسه إذ لا مغايرة بين الشيء و نفسه حتى يتصوّر القيام بينهما. و قد يجعل الضمير الثاني للموصول فالمعنى الأمر الذي بسببه الشيء هو ذلك الأمر بمعنى أنّه لا يحتاج في ثبوت ذلك الأمر له إلى غير ذلك الأمر، فلا يرد الإشكال بالفاعل، لكن ينتقض ظاهر التعريف بالعرضي، إذ الضاحك ما به الإنسان ضاحك. لكن لما كان مآل التعريف على ما قلنا هو أن لا يحتاج في كونه ذلك الأمر إلى غير ذلك الأمر فلا نقض بالحقيقة، لكن بقي الانتقاض بالذاتي بمعنى الجزء ظاهرا و باطنا لأنّ الإنسان في كونه ناطقا لا يحتاج إلى أمر غير الناطق، لأنّ ثبوته له غير معلّل بشيء.
و يمكن أن يقال المقصود تعريف الماهية بحيث يمتاز عن العرضي. و لذا ذكر بعض الفضلاء من [١] أنه جرت عادة القوم في ابتداء مبحث الأمور العامّة ببيان الفرق بين الماهية و عوارضها دون ذاتياتها، لأنه قد تشتبه الماهية بالعوارض فيما إذا عرض الشيء لنفسه كالكلّي للكلّي، بخلاف الذاتيات فإنه لا اشتباه بين الكلّ و الجزء فتدبر. هذا كله خلاصة ما حققه المولوي عبد الحكيم في حاشية الخيالي.
و قال المولوي عصام الدين في حاشية شرح العقائد إنّ الضمير الأول ضمير فصل لإفادة أنّ ما به الشيء ليس إلّا الشيء و ليس راجعا إلى الشيء. فالمعنى ما به الشيء هو الشيء أعني أمر باعتباره مع الشيء يكون الشيء هو الشيء و لا يثبت بإثباته للشيء إلّا نفسه بخلاف الجزء و العارض، فإنّه باعتباره مع الشيء و إثباته للشيء يكون الشيء غيره، فإنّك إذا اعتبرت مع الإنسان الإنسان [٢] لا يكون الإنسان إلّا إنسانا، و لو اعتبرت معه الناطق يكون الإنسان الناطق، و لو اعتبرت معه الضاحك يكون الإنسان الضاحك. و بهذا التحقيق سهل عليك ما صعب على كل ناظر فيه من التمييز بين ماهية الشيء و علّته بهذا التعريف و نجوت عن [٣] تكلفات. و اندفع أيضا أنّ أحد الضميرين زائد، و يكفي ما به الشيء هو، و أنه
[١] من (- م).
[٢] الانسان (- م).
[٣] من (م).