كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٥٠٣ - فائدة
ما عَرَفُوا [١] الآية. و منها التعظيم و التهويل نحو الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ [٢] وَ أَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ [٣] فإن قلت هذا النوع أحد أقسام التأكيد الصناعي فإنّ منها التوكيد بتكرار اللفظ فلا يحسن عدّه نوعا مستقلا. قلت هو يجامعه و يفارقه و يزيد عليه و ينقص عنه فصار أصلا برأسه، فإنّه قد يكون التأكيد تكرارا و قد لا يكون تكرارا، و قد يكون التكرير غير تأكيد صناعة و إن كان مفيدا للتأكيد معنى؛ و منه ما وقع فيه الفصل بين المكررين فإنّ التأكيد لا يفصل بينه و بين مؤكده نحو اتَّقُوا اللَّهَ وَ لْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَ اتَّقُوا اللَّهَ [٤] فالآية من باب التكرير لا التأكيد الصناعي. و من التكرير نوع يسمّى بالترديد، و هو ما كان لتعدّد المتعلّق بأن يكون المكرر ثانيا متعلّقا بغير ما تعلّق به الأول كقوله اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ [٥] الآية و منه قوله وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ [٦] لتعلّق كلّ واحدة بما قبلها.
قال في عروس الأفراح فإن قلت: إذا كان المراد بكل ما قبله فليس ذلك بإطناب بل هي ألفاظ بكل أريد به غير ما أريد بالآخر؟ قلت:
إذا قلنا العبرة لعموم اللفظ فكلّ واحد أريد به ما أريد بالآخر، و لكن كرّر ليكون نصا فيما يليه و ظاهرا في غيره. فإن قلت يلزم التأكيد؟ قلت:
و الأمر كذلك، و لا يرد عليه أنّ التأكيد لا يزداد على ثلاثة لأنّ ذلك في التأكيد الذي هو تابع، أمّا ذكر الشيء في مقامات متعدّدة أكثر من ثلاثة فلا يمتنع. و من أمثلة ما يظن تكرارا و ليس منه فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَ اذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ [٧] ثم قال فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً [٨] ثم قال وَ اذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ [٩] فإنّ المراد بكل واحد من هذه الأذكار غير المراد بالآخر. فالأول الذكر في المزدلفة عند الوقوف بقزح و قوله وَ اذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ [١٠] إشارة إلى تكرّره ثانيا. و ثالثا و يحتمل أن يراد به طواف الإفاضة منه بدليل تعقيبه بقوله فَإِذا قَضَيْتُمْ [١١] و الذكر الثالث إشارة إلى رمي جمرة العقبة و الذكر الأخير لرمي أيام التشريق. و من ذلك تكرير الأمثال الواقعة في القرآن كقوله وَ ما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَ الْبَصِيرُ، وَ لَا الظُّلُماتُ وَ لَا النُّورُ، وَ لَا الظِّلُّ وَ لَا الْحَرُورُ، وَ ما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَ لَا الْأَمْواتُ [١٢] و كذلك ضرب مثل المنافقين أول البقرة بالمستوقد نارا ثم ضربه بأصحاب الصيّب و من ذلك تكرير القصص الواقعة في القرآن كقصة آدم و موسى و نوح و غيرهم من الأنبياء عليهم السلام. و في تكرير القصص فوائد. منها أنّ في كل موضع زيادة شيء لم يذكر في الذي قبله، أو إبدال كلمة بأخرى لنكتة و هي عادة البلغاء. و منها أنّ في إبراز الكلام
[١] البقرة/ ٨٩.
[٢] الحاقة/ ١- ٢.
[٣] الواقعة/ ٢٧.
[٤] الحشر/ ١٨.
[٥] النور/ ٣٥.
[٦] المرسلات/ ١٥.
[٧] البقرة/ ١٩٨.
[٨] البقرة/ ٢٠٠.
[٩] البقرة/ ٢٠٣.
[١٠] البقرة/ ١٩٨.
[١١] البقرة/ ٢٠٠.
[١٢] فاطر/ ١٩- ٢٢.