كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٤٩٣ - التقسيم الثالث
و قال الماتريدي [١]: التفسير القطع على أنّ المراد من اللفظ هذا أو الشهادة على اللّه أنه عني باللفظ هذا، فإن قام دليل مقطوع به فصحيح و إلّا فتفسير بالرأي و هو المنهي.
و التأويل ترجيح أحد المحتملات بدون القطع و الشهادة على اللّه.
و قال أبو طالب الثعلبي [٢]: التفسير بيان وضع اللفظ إما حقيقة أو مجازا كتفسير الصراط بالطريق و الصيّب بالمطر، و التأويل تفسير باطن اللفظ، مأخوذ من الأول، و هو الرجوع بعاقبة الأمر، فالتأويل إخبار عن حقيقة المراد و التفسير إخبار عن دليل المراد، لأن اللفظ يكشف عن المراد و الكاشف دليل كقوله تعالى إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ [٣] تفسيره أنه من الرّصد يقال:
رصدته رقبته و المرصاد مفعال منه و تأويله التحذير من التهاون بأمر اللّه و الغفلة عن الأهبة و الاستعداد للعرض عليه و قواطع الأزلة تقتضي بيان المراد منه على خلاف وضع اللفظ في اللغة.
قال الأصبحاني في تفسيره: اعلم أنّ التفسير في عرف العلماء كشف معاني القرآن.
و بيان المراد أعمّ من أن يكون بحسب اللفظ المشكل و غيره و بحسب المعنى الظاهر و غيره.
و التأويل أكثره في الجمل، و التفسير إمّا أن يستعمل في غريب الألفاظ نحو البحيرة و السائبة و الوصيلة أو في وجيز يتبيّن بشرح نحو أقيموا الصلاة و آتوا الزكاة و إمّا في كلام متضمن لقصة لا يمكن تصويره إلّا بمعرفتها كقوله تعالى إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ [٤]. و إمّا التأويل فإنه يستعمل مرة عاما و مرة خاصا نحو الكفر المستعمل تارة في الجحود المطلق و تارة في جحود الباري تعالى خاصة، و يستعمل في لفظ مشترك بن معان مختلفة نحو لفظ وجد المستعمل في الجدة و الوجد و الوجود. و قال غيره التفسير يتعلّق بالرواية و التأويل بالدراية.
و قال أبو نصر القشيري [٥]: التفسير مقصور على الإتباع و السماع و الاستنباط في ما يتعلّق بالتأويل. و قال قوم ما وقع في كتاب اللّه تعالى مبينا و في صحيح السنة معينا سمّي تفسيرا لأنّ معناه قد ظهر و وضح، و ليس لأحد أن يتعرّض له باجتهاد و لا غيره، بل يحمله على المعنى الذي ورد و لا يتعداه. و التأويل ما استنبطه العلماء العالمون بمعاني الخطاب الماهرون في آلات العلوم.
و قال قوم منهم البغوي و الكواشي [٦]
التأويل صرف الآية إلى معنى موافق لما قبلها و بعدها يحتمله الآية غير مخالف للكتاب و السّنة من طريق الاستنباط. و يطلق التفسير أيضا على علم من العلوم المدوّنة و قد سبق في المقدمة.
[١] هو محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي. ولد بما تريد و توفي بسمرقند عام ٣٣٣ ه/ ٩٤٤ م. من ائمة الكلام و مؤسس المذهب الماتريدي. له الكثير من المؤلفات الهامة. الأعلام ٧/ ١٩، الفوائد البهية ١٩٥، مفتاح السعادة ٢/ ٢١، الجواهر المضية ٢/ ١٣٠.
[٢] هو أحمد بن محمد بن ابراهيم الثعلبي، ابو طالب، و قيل ابو اسحاق، توفي عام ٤٢٧ ه/ ١٠٣٥ م. مفسّر عالم بالتاريخ، له عدة كتب، الاعلام ١/ ٢١٢، ابن خلكان ١/ ٢٢، إنباه الرواة ١/ ١١٩، البداية و النهاية ١٢/ ٤٠، اللباب ١/ ١٩٤.
[٣] الفجر/ ١٤.
[٤] التوبة/ ٣٧.
[٥] هو عبد الرحيم بن عبد الكريم بن هوازن القشيري، أبو نصر، توفي بنيسابور عام ٥١٤ ه/ ١١٢٠ م. واعظ من العلماء. له بعض المصنفات الاعلام ٣/ ٣٤٦، مرآة الجنان ٣/ ٢١٠، البداية و النهاية ١٢/ ١٨٧.
[٦] هو أحمد بن يوسف بن الحسن بن رافع بن الحسين بن سويدان الشيباني الموصلي، موفق الدين أبو العباس الكواشي ولد بالموصل عام ٥٩٠ ه/ ١١٩٤ م. و توفي عام ٦٨٠ ه/ ١٢٨١ م. فقيه شافعي، عالم بالتفسير. له العديد من المؤلفات الهامة. الاعلام ١/ ٢٧٤، النجوم الزاهرة ٧/ ٣٤٨، نكت الهميان ١١٦.