كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٤٩ - علم المنطق
التعريف على تقدير شموله للعلوم التصورية أنّ الحكمة علم متعلّق بجميع أحوال الموجودات العينية المكمّلة للنفس بحسب ما يمكن، أو بعضها المعتدّ به تصوريا أو تصديقيّا محتاجا إلى التنبيه، أو نظريا على وجه تكون الموجودات و أحوالها على ذلك الوجه في الواقع لا بالوضع، و الاعتبار بقدر الطاقة البشرية من أوساط الناس، فيصير مآل هذا التعريف، و ما قيل إنّ الحكمة علم بأعيان الموجودات و أحوالها على ما هي عليه في نفس الأمر بقدر الطاقة البشرية واحدا. و إذا قلنا بعدم شموله للتصورات حذفنا عن هذا الحاصل القيد الذي به يلزم الشّمول. و منهم من ترك قيد الأحوال لشمول العلم التصوّر و التصديق، و ترك قيد نفس الأمر لأن التقييد به مستدرك، فقال: الحكمة علم بأعيان الموجودات على ما هي عليه بقدر الطاقة البشرية.
اعلم أنهم اختلفوا في أنّ المنطق من العلم أم لا. فمن قال إنه ليس بعلم فليس بحكمة عنده إذ الحكمة علم. و من قال بأنه علم اختلفوا في أنه من الحكمة أم لا. و القائلون بأنه من الحكمة يمكن الاختلاف بينهم بأنه من الحكمة النظرية جميعا أم لا، بل بعضه منها و بعضه من العملية، إذ الموجود الذهني قد يكون بقدرتنا و اختيارنا و قد لا يكون كذلك. و القائلون بأنه من الحكمة النظرية يمكن الاختلاف بينهم بأنه من أقسامها الثلاثة أم قسم آخر، فمن أخذ في تعريفها قيد الأعيان، كما في التعريفات المذكورة، لم يعدّه من الحكمة، لأن موضوعه المعقولات الثانية التي هي من الموجودات الذهنية. و إنما أخذ قيد الأعيان لأن كمال الإنسان هو إدراك الواجب تعالى، و الأمور المستندة إليه في سلسلته العليّة بحسب الوجود الأصلي، أي الخارجي، و لا كمال معتدّا به في إدراك أحوال المعدومات، و إذا بحث عنها في الحكمة كان على سبيل التبعية. و البحث عن الوجود الذهني بحث عن أحوال الأعيان أيضا من حيث إنها هل لها نوع آخر من الوجود أو لا. و من حذف قيد الأعيان فقال: هي علم بأحوال الموجودات الخ، عدّه من الحكمة النظرية إذ لا يبحث في المنطق إلّا عن المعقولات الثانية التي ليس وجودها بقدرتنا و اختيارنا.
و منهم من فسّر الحكمة بالكمال الحاصل للنفس الخارج من القوة إلى الفعل بحسب القوانين [١]، اي النظرية و العملية، و لا حاجة إلى التقييد بالخارج من القوة إلى الفعل لأنه معتبر في الكمال.
و منهم من فسّرها بما يكون تكمّلا للنفس الناطقة كمالا معتدّا به. و قيل هي خروج النفس إلى كمالها الممكن في جانبي العلم و العمل، أما في جانب العلم فبأن تكون متصوّرة للموجودات كما هي و مصدّقة بالقضايا كما هي، و أما في جانب العمل فبأن تحصل لها الملكة التّامة على الأفعال المتوسّطة بين الإفراط و التفريط. و المراد بالخروج ما يخرج به النفس، إذ الخروج ليس بحكمة. قيل الحكمة ليست ما تخرج به النفس إلى كمالها بل هي الكمال الحاصل الخ فمؤدّى التعريفات الثلاثة واحد. و المنطق على هذه التعاريف من الحكمة أيضا.
و يقرب من التعريف الأخير من هذه التعاريف الثلاثة ما وقع في شرح حكمة العين من أن الحكمة استكمال النفس الإنسانية بتحصيل ما عليه الوجود في نفسه، و ما عليه الواجب مما ينبغي أن يعمل من الأعمال، و ما لا [٢] ينبغي، لتصير كاملة مضاهية للعالم العلوي، و تستعد بذلك للسعادة القصوى الأخروية بحسب الطاقة البشرية.
[١] القوين (ع).
[٢] لا (- م).