كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٤٨ - علم المنطق
نفس الأمر لأن العلوم العربية علم بأحوال الموجود كالألفاظ على وجه يكون الموجود على ذلك الوجه، ككون اللفظ مفردا أو مركبا و نحو ذلك، لكنها ليست بنفس أمرية بل باعتبار المعتبر وضع الواضع فلا بدّ من تقييده. و لا يلزم من عدم كونها نفس أمرية كذبها، إذ لزوم الكذب إنما يلزم لو حكم على مسائلها كذلك في نفس الأمر مع قطع النظر عن الوضع، و ليس كذلك، فإنهم يحكمون بأن بعض الألفاظ مفرد و بعضها مركّب بحسب وضع الواضع، و هذا الحكم مطابق لنفس الأمر فلا يكون كاذبا. و لا يتوهّم دخولها على هذا في الحكمة لأن معنى نفس الأمر هاهنا هو الواقع مع غير ملاحظة الوضع.
إن قيل: قوله بقدر الطاقة البشرية يخرج علمه تعالى من الحكمة، إذ علمه فوق طوق البشر فلا يكون هو حكيما، قلت: علمه تعالى حاصل مع الزيادة، و التقييد يفيد أن هذا القدر ضروري لأن الزائد على هذا القيد مضرّ. أو يقال: هذا تعريف حكمة المخلوق لا حكمة الخالق. ثم إنه لا ضير في كون الحكمة أعلى العلوم الدينية، و كونه صادقا على الكلام و الفقه، إذ التحقيق أنّ الكلام و الفقه من الحكمة. قال المحقق التفتازاني: إن الحكمة هي الشرائع، و هذا لا ينافي ما ذكروا من أنّ السالكين بطريق أهل النظر و الاستدلالات و طريقة أهل الرياضة و المجاهدات، إن اتبعوا ملة فهم المتكلمون و الصوفيون، و إلّا فهم الحكماء المشّائيون و الإشراقيون، إذ لا يلزم منه أن لا يكون المتكلّم و الصوفي حكيما، بل غاية ما لزم منه أن لا يكون حكيما مشّائيا و إشراقيا.
إن قلت: فعلى هذا ينبغي أن تذكر العلوم الشرعية في أنواع الحكمة. قلت: لا امتناع في ذلك، لكونها شاملة للعلوم الشرعية بحسب المفهوم، إلّا أنّ الحكمة لما دوّنها الحكماء الذين لا يبالون بمخالفة الشرائع، فالأليق أن لا تعدّ العلوم الشرعية منها. و أيضا العلوم الشرعية أشرف العلوم، فذكرها على حدة إشارة إلى أنها بشرفها بالغة إلى حدّ الكمال، كأنها منفردة من الحكمة، و أنواعها غير داخلة فيها.
إن قيل: الحدّ لا يصدق على علم الحساب الباحث عن العدد الذي ليس بموجود، و لا على الهيئة الباحثة عن الدوائر الموهومة، قلت: العدد عندهم قسم من الكمّ الذي هو موجود عندهم. نعم عند المتكلمين ليس من الموجودات، و التعريف للحكماء، و البحث عن الدوائر الهيئية من حيث إنها من المبادئ، و ليست موضوعاتها، بل موضوعها الأجرام العلويّة و السفليّة، من حيث مقاديرها و حركاتها و أوضاعها اللازمة لها.
إن قيل: يصدق التعريف على علم العقول مع أنهم لا يطلقون أن العقل حكيم، و على علم الأفلاك و الكواكب على رأي من يثبت النفوس الناطقة لها، فيكون الفلك و الكوكب حكيما، و لا قائل به. قلت: هذا التعريف لحكمة البشر كما عرفت. أو نقول بتخصيص العلم بالحصولي الحادث. و يجاب أيضا عن الأخير بأن هذا التعريف على رأي من لا يثبت النفوس الناطقة لها.
إن قيل: يصدق التعريف على العلم بالأحوال الجزئية المتعلقة بالأعيان كالعلم بقيام زيد، قلت:
إنّ المراد بالأحوال ما له دخل في استكمال النفس و هذه الأحوال ليست كذلك، أو المراد ما يعتدّ به من الأحوال. ثم المراد من الأحوال جميع ما يمكن لأوساط الناس العلم به أو البعض المعيّن المعتدّ به مع القدرة على العلم بالباقي بقدر الطاقة على ما هو شأن جميع العلوم المدوّنة. فحاصل