كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٤٥ - علم المنطق
المخصوصة، و هذا هو الذي جعل مستفادا من المنطق و المشعر على ذلك استعمال المعرفة في إدراك الجزئيات. ثم هذا التعريف مشتمل على العلل الأربع، فإنّ مادته هي القوانين، تحتمل هذا الفن و غيره، كما أن المادة أمر مبهم في نفسها تحتمل أمورا و لا تصير شيئا معيّنا منها، إلّا بأن ينضم إليها ما يحصله و ما يعينه. و قولنا تفيد معرفة طرق الانتقال إشارة إلى الصورة لأنه المخصّص لها، أي للقوانين بالمنطق، و قد أشير أيضا إلى العلّة الفاعلية بالالتزام، و هو العارف بتلك الطرق الجزئية المفادة العالم بتلك القوانين المفيدة إياها. و قولنا بحيث لا يعرض الغلط إشارة إلى العلّة الغائية.
اعلم أنّ المنطق من العلوم الآليّة لأنّ المقصود منه تحصيل المجهول من المعلوم، و لذا قيل الغرض من تدوينه العلوم الحكمية، فهو في نفسه غير مقصود؛ و لذا قيل المنطق آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن عن الخطأ في الفكر، فالآلة بمنزلة الجنس و القانونية بمنزلة الفصل تخرج الآلات الجزئية لأرباب الصنائع، و قوله تعصم مراعاتها الخ يخرج العلوم القانونية التي لا تعصم مراعاتها عن الضلال في الفكر بل في المقال [١] كالعلوم العربية.
و الموضوع، قيل موضوعه التصوّرات و التصديقات، أي المعلومات التصوّرية و التصديقية لأن بحث المنطقي عن أعراضها الذاتية، فإنه يبحث عن التصوّرات من حيث أنها توصل إلى تصوّر مجهول إيصالا قريبا أي بلا واسطة كالحدّ و الرسم أو إيصالا بعيدا ككونها كلية و جزئية و ذاتية و عرضية و نحوها، فإن مجرد أمر من هذه الأمور لا يوصل إلى التصوّر ما لم ينضم إليه آخر يحصل منهما حدّ أو رسم، و يبحث عن التصديقات من حيث أنها توصل إلى تصديق مجهول إيصالا قريبا كالقياس و الاستقراء و التمثيل، أو بعيدا ككونها قضية و عكس قضية و نقيضها، فإنها ما لم تنضم إليها ضميمة لا توصل إلى التصديق، و يبحث عن التصوّرات من حيث أنها توصل إلى التصديق إيصالا أبعد ككونها موضوعات و محمولات. و لا خفاء في أن إيصال التصوّرات و التصديقات إلى المطالب، قريبا أو بعيدا، من العوارض الذاتية لها، فتكون هي موضوع المنطق. و ذهب أهل التحقيق إلى أن موضوعه المعقولات الثانية لا من حيث أنها ما هي في أنفسها و لا من حيث أنها موجودة في الذهن، فإن ذلك وظيفة فلسفية بل من حيث أنها توصل إلى المجهول، أو يكون لها نفع في الإيصال، فإن المفهوم الكلّي إذا وجد في الذهن و قيس إلى ما تحته من الجزئيات فباعتبار دخوله في ماهياتها يعرض له الذاتية، و باعتبار خروجه عنها العرضية، و باعتبار كونه نفس ماهياتها النوعية.
و ما عرض له الذاتية جنس باعتبار اختلاف أفراده و فصل باعتبار آخر. و كذلك ما عرض له العرضية إمّا خاصة أو عرض عام باعتبارين مختلفين. و إذا ركبت الذاتيات و العرضيات إمّا منفردة أو مختلطة على وجوه مختلفة عرض لذلك المركّب الحدّية و الرّسمية. و لا شك أن هذه المعاني، أعني كون المفهوم الكلي ذاتيا أو عرضيا أو نوعا و نحو ذلك، ليست من الموجودات الخارجية بل هي مما يعرض للطبائع الكلية، إذا وجدت في الأذهان، و كذا الحال في كون القضية حملية أو شرطية، و كون الحجة قياسا او استقراء أو تمثيلا، فإنها بأسرها عوارض تعرض لطبائع النسب الجزئية في الأذهان إما وحدها أو مأخوذة مع غيرها، فهي أي المعقولات الثانية موضوع المنطق.
و يبحث المنطقي عن المعقولات الثالثة و ما بعدها من المراتب، فإنها عوارض ذاتية للمعقولات
[١] المثال (م).