كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٣٤٩ - فائدة
أفصح منه و أوضح كلاما. قال صاحب الكشاف: البيان هو المنطق الفصيح المعبّر عمّا في الضمير، كذا ذكر السيّد السّند في حاشية خطبة شرح الشمسية. و قال الچلپي في حاشية المطول: البيان مصدر بان أي ظهر جعل اسما للمنطق الفصيح المعبّر عمّا في الضمير، و التبيان [١] مصدر بيّن على الشذوذ. و قد يفرّق بينهما بأنّ التبيان يحتوي على كدّ الخاطر و إعمال القلب، و قريب منه ما قيل التبيان بيان مع دليل و برهان، فكأنّه مبني على أنّ زيادة البيان لزيادة المعنى. و قال المولوي عبد الحكيم في حاشية شرح المواقف: البيان الكشف و التوضيح، و قد يستعمل بمعنى الإثبات بالدليل انتهى. و بالجملة فهو إمّا مصدر بان و هو لازم و معناه الظهور، أو مصدر بيّن و هو قد يكون لازما كقولهم في المثل قد بيّن الصبح لذي عينين، أي بان، و قد يكون متعدّيا بمعنى الإظهار، قال اللّه تعالى ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ [٢] أي إظهار معانيه و شرائعه على ما وقع في بعض الكتب.
و في بعض شروح الحسامي ثم إنّ البيان عبارة عن أمر يتعلّق بالتعريف و الإعلام، و إنما يحصل الإعلام بدليل، و الدليل محصّل للعلم، فههنا أمور ثلاثة: إعلام و تبيين و دليل يحصل به الإعلام أو علم يحصل من الدليل. و لفظ البيان يطلق على كلّ واحد من تلك المعاني الثلاثة.
و بالنظر إلى هذا اختلف تفسير العلماء له. فمن نظر إلى إطلاقه على الإعلام الذي هو فعل المبين كأبي بكر الصيرفي [٣]، قال هو إخراج الشيء من حيّز الأشكال إلى حيّز التّجلّي و الظهور، و أورد عليه أنّ ما يدلّ على الحكم ابتداء من غير سابقية إجمال و أشكال بيان بالاتفاق، و لا يدخل في التعريف. و كذا بيان التقرير و التغيير و التبديل لم يدخل فيه أيضا.
و أيضا لفظ الحيّز مجاز و التجوّز في الحدّ لا يجوز. و أيضا الظهور هو التّجلّي فيكون تكرارا.
فالأولى أن يقال البيان هو إظهار المراد كما في التوضيح. و من نظر إلى إطلاقه على العلم الحاصل من الدليل كأبي بكر الدقّاق [٤] و أبي عبد اللّه البصري، قال هو العلم الذي يتبيّن به المعلوم. و بعبارة أخرى هو العلم عن الدليل، فكأنّ البيان و التبين عنده بمعنى واحد. و من نظر، إلى إطلاقه على ما يحصل به البيان كأكثر الفقهاء و المتكلّمين قال هو الدليل الموصل بصحيح النظر إلى اكتساب العلم بما هو دليل عليه. و عبارة بعضهم هو الأدلة التي بها تتبين الأحكام، قالوا و الدليل على صحّته أنّ من ذكر دليلا لغيره و أوضحه غاية الإيضاح يصحّ لغة و عرفا أن يقال تمّ بيانه، و هذا بيان حسن إشارة إلى الدليل المذكور. و على هذا بيان الشيء قد يكون بالكلام و الفعل و الإشارة و الرمز، إذ الكل دليل و مبيّن، و لكنّ أكثر استعماله في الدلالة بالقول، فكلّ مفيد من كلام الشارع، و فعله و سكوته و استبشاره بأمر و تنبيهه بفحوى الكلام
[١] التباين (م).
[٢] القيامة/ ١٩.
[٣] ابو بكر الصيرفي: هو محمد بن عبد اللّه الصيرفي، أبو بكر. توفي عام ٣٣٠ ه/ ٩٤٢ م. فقيه شافعي، متكلم، عالم بالأصول، له عدة مؤلفات. الأعلام ٦/ ٢٢٤، وفيات الاعيان ١/ ٤٥٨، الوافي بالوفيات ٣/ ٣٤٦، طبقات الشافعية ٢/ ١٦٩، مفتاح السعادة ٢/ ١٧٨.
[٤] ابو بكر محمد بن أحمد بن عبد الباقي بن منصور البغدادي الدقاق، المعروف بابن الخاضبة. ولد عام نيف و ثلاثين و أربعمائة للهجرة، و توفي عام ٤٨٩ ه. إمام محدث حافظ ثقة، له عدة كتب و تصانيف. سير أعلام النبلاء ١٩/ ١٠٩، المنتظم ٩/ ١٠١، الكامل في التاريخ ١٠/ ٢٦٠، العبر ٣/ ٣٢٥، ميزان الاعتدال ٣/ ٤٦٥، البداية و النهاية ١٢/ ١٥٣، لسان الميزان ٥/ ٥٧، طبقات الحفاظ ٤٤٨.