كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٣٠١ - تنبيهات
كل موضع جاء بمثله. فالخلاف في المسألة لفظي لأنه راجع إلى تفسير الإيمان و أنه في أيّ المعنيين منقول شرعي، و في أيهما مجاز و لا خلاف في المعنى فإنّ الإيمان المنجّي من دخول النار هو الثاني باتفاق جميع المسلمين، و الإيمان المنجّي من الخلود في النار هو الأول باتفاق أهل السنة خلافا للمعتزلة و الخوارج.
و بالجملة فالسلف و الشافعي جعلوا العمل ركنا من الإيمان بالمعنى الثاني دون الأول، و حكموا مع فوات العمل ببقاء الإيمان بالمعنى الأول، و بأنه ينجو من النار باعتبار وجوده، و إن فات الثاني فاندفع الإشكال.
اعلم أنهم اختلفوا في التصديق بالقلب الذي هو تمام مفهوم الإيمان عند الأشاعرة أو جزء مفهومه عند غيرهم. فقيل هو من باب العلوم و المعارف فيكون عين التصديق المقابل للتصور. و ردّ بأنّا نقطع بكفر كثير من أهل الكتاب مع علمهم بحقيقة رسالته صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و ما جاء به قال اللّه تعالى: فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ [١] و يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ [٢] الآية. و أجيب بأنّا إنما نحكم بكفرهم لأن من أنكر منهم الرسالة أبطل تصديقه القلبي بتكذيبه اللساني، و من لم ينكرها أبطله بترك الإقرار اختيارا، لأنّ الإقرار شرط لإجراء الأحكام على رأي، و ركن الإيمان على رأي.
و لهذا لو حصل التصديق لأحد و مات من ساعته فجأة قبل الإقرار يكون مؤمنا إجماعا. لكن بقي شيء آخر و هو أنّ الإيمان مكلّف به و التكليف إنما يتعلق بالأفعال الاختيارية فلا بد أن يكون التصديق بالقلب اختياريا، و التصديق المقابل للتصوّر ليس اختياريا كما بيّن في موضعه.
و أجيب بأن التكليف بالإيمان تكليف بتحصيل أسبابه من القصد إلى النظر في آثار القدرة الدالة على وجوده تعالى و وحدانيته و توجيه الحواس إليها، و ترتيب المقدمات المأخوذة، و هذه أفعال اختيارية. و لذا قال القاضي الآمدي: التكليف بالإيمان تكليف بالنظر الموصل إليه و هو فعل اختياري. و فيه أنه يلزم على هذا اختصاص التصديق بأن يكون علما صادرا عن الدليل.
و قيل هو أي التصديق من باب الكلام النفسي و عليه إمام الحرمين [٣]. و هكذا ذكر صدر الشريعة حيث قال: المراد [٤]
بالتصديق معناه اللغوي و هو أن ينسب الصدق إلى المخبر اختيارا لأنه إن وقع في القلب صدق المخبر ضرورة كما إذا شاهد أحد المعجزة و وقع صدق دعوى النبوة في قلبه ضرورة و قهرا من غير أن ينسب الصدق إلى النبي عليه السلام اختيارا، لا يقال في اللغة إنه صدّقه، فعلم أنّ المراد من التصديق إيقاع نسبة الصدق إلى المخبر اختيارا الذي هو كلام النفس و يسمّى عقد الإيمان. و ظاهر كلام الأشعري أنه كلام النفس و المعرفة شرط فيه إذ المراد بكلام النفس الاستسلام الباطني و الانقياد لقبول الأوامر و النواهي. و بالمعرفة إدراك مطابقة دعوى النبي للواقع أي تجليها للقلب و انكشافها له و ذلك الاستسلام إنّما يحصل بعد حصول هذه المعرفة، و يحتمل أن يكون كل منهما ركنا.
[١] البقرة/ ٨٩.
[٢] البقرة/ ١٤٦.
[٣] هو عبد الملك بن عبد اللّه بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين الملقب بإمام الحرمين. ولد بنواحي نيسابور عام ٤١٩ ه/ ١٠٢٨ م و توفي فيها عام ٤٧٨ ه/ ١٠٨٥ م. فقيه شافعي، متكلم أشعري. له الكثير من المؤلفات الهامة. الأعلام ٤/ ١٦٠، وفيات الأعيان ١/ ٢٨٧، طبقات السبكي ٣/ ٢٤٩، مفتاح السعادة ١/ ٤٤٠؛ تبيين كذب المفتري ٢٧٨.
[٤] المقصود (م، ع).