كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٢٩ - علم الكلام
علم الكلام:
و يسمّى بأصول الدين، أيضا، و سماه أبو حنيفة [١] رحمه اللّه تعالى بالفقه الاكبر. و في مجمع السلوك [٢]: و يسمّى بعلم النظر و الاستدلال أيضا، و يسمّى أيضا، بعلم التوحيد و الصفات. و في شرح العقائد [٣] للتفتازاني: العلم المتعلّق بالأحكام الفرعية، أي العملية يسمّى علم الشرائع و الأحكام، و بالأحكام الأصلية أي الاعتقادية يسمّى علم التوحيد و الصفات، انتهى. و هو علم يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية على الغير بإيراد الحجج و دفع الشبه، فالمراد بالعلم معناه الأعم أو التصديق مطلقا، ليتناول إدراك المخطئ في العقائد و دلائلها و يمكن أن يراد به المعلوم، لكن بنوع تكلّف بأن يقال علم أي معلوم يقتدر معه، أي مع العلم به الخ. و في صيغة الاقتدار تنبيه على القدرة التّامة، و بإطلاق المعيّة تنبيه على المصاحبة الدائمة، فينطبق التعريف على العلم بجميع العقائد مع ما يتوقف عليه إثباتها من الأدلة و ردّ الشّبه، لأن تلك القدرة على ذلك الإثبات إنما تصاحب هذا العلم دون العلم بالقوانين التي تستفاد منها صور الدلائل فقط، و دون علم الجدل الذي يتوسّل إلى حفظ أي وضع يراد، إذ ليس فيه اقتدار تامّ على ذلك، و إن سلّم فلا اختصاص له بإثبات هذه العقائد، و المتبادر من هذا الحدّ ما له نوع اختصاص به، و دون علم النحو المجامع لعلم الكلام: مثلا إذ ليس تترتّب عليه تلك القدرة دائما على جميع التقادير، بل لا مدخل له في ذلك الترتّب العادي أصلا.
و في اختيار يقتدر على يثبت إشارة إلى أنّ الإثبات بالفعل غير لازم، و في اختيار معه على به مع شيوع استعماله تنبيه على انتفاء السببيّة الحقيقية المتبادرة من الباء، إذ المراد الترتّب العادي، و في اختيار إثبات العقائد على تحصيلها إشعار بأن ثمرة الكلام إثباتها على الغير، و بأن العقائد يجب أن تؤخذ من الشرع ليعتدّ بها، و إن كانت مما يستقل العقل فيه، و لا يجوز حمل الإثبات هاهنا على التحصيل و الاكتساب، إذ يلزم منه أن يكون العلم بالعقائد خارجا عن علم الكلام ثمرة له و لا خفاء في بطلانه.
و المتبادر من الباء في قولنا بإيراد هو الاستعانة دون السببية، و لئن سلّم وجب حملها على السببيّة العادية دون الحقيقية بقرينة ذلك التنبيه السابق. و ليس المراد بالحجج و الشّبه ما هي كذلك في نفس الأمر، بل بحسب زعم من تصدّى للإثبات بناء على تناول المخطئ، و لا يراد بالغير الذي يثبت عليه العقائد غيرا معيّنا حتى يرد أنّها إذا أثبتت عليه مرة لم يبق اقتدار على إثباتها قطعا، فيخرج المحدود عن الحدّ. فحاصل الحدّ أنه علم بأمور يقتدر معه، أي يحصل مع ذلك العلم حصولا دائما عاديا قدرة تامة على إثبات العقائد الدينية على الغير و إلزامها إياه بإيراد الحجج و دفع الشّبه عنها، فإيراد الحجج إشارة إلى وجود المقتضي، و دفع الشبه إلى انتفاء المانع. ثم المراد بالعقائد ما يقصد به نفس الاعتقاد كقولنا اللّه تعالى عالم قادر سميع بصير، لا ما يقصد به العمل، كقولنا الوتر واجب إذ قد
[١] ابو حنيفة: هو الإمام النعمان بن ثابت، التيمي الكوفي، أبو حنيفة. ولد بالكوفة عام ٨٠ ه/ ٦٩٩ م و توفي ببغداد عام ١٥٠ ه/ ٧٦٧ م. فقيه مجتهد أصولي و متكلم، من أئمة الفقه الأربعة الكبار. له الكثير من المؤلفات الفقهية الهامة. الأعلام ٨/ ٣٦، تاريخ بغداد ١٣/ ٣٢٣، وفيات الأعيان ٢/ ١٦٣، النجوم الزاهرة ٢/ ١٢، البداية و النهاية ١٠/ ١٠٧، الجواهر المضية ١/ ٢٦، نزهة الجليس ٢/ ١٧٦، تاريخ الخميس ٢/ ٣٢٦، مفتاح السعادة ٢/ ٦٣، دائرة المعارف الإسلامية ١/ ٣٣٠، مرآة الجنان ١/ ٣٠٩ و غيرها.
[٢] مجمع السلوك في التصوف للشيخ سعد الدين الخيرآبادي (- ٨٨٢ ه). إيضاح المكنون، ٤، ٤٣٤.
[٣] شرح العقائد النسفية لسعد الدين مسعود بن عمر بن عبد اللّه التفتازاني (- ٧٩٢ ه/ ١٣٨٩ م) طبع في كلكوتا، ١٢٦٠ ه. معجم المطبوعات العربية، ٦٣٧.