كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٢٢٣ - فائدة
في رتبة البلاغة، و فسّروا الإيجاز بأداء المقصود بأقل من المتعارف، و الإطناب بأدائه بأكثر منه.
و ابن الأثير [١] و جماعة على الثاني فقالوا:
الإيجاز التعبير عن المراد بلفظ غير زائد و الإطناب بلفظ ازيد.
و قال القزويني الأقرب أن يقال إن المقبول من طرق التعبير عن المراد تأدية أصله إمّا بلفظ مساو لأصل المراد، أو ناقص عنه واف، أو زائد عليه لفائدة، و الأول المساواة، و الثاني الإيجاز، و الثالث الإطناب. و احترز بقوله واف عن الإخلال، و بقوله لفائدة عن الحشو و التطويل فعنده تثبت المساواة واسطة و أنها من قسم المقبول، كذا في الإتقان. لكن قال الچلپي في حاشية المطول إنّ الإطناب في اصطلاح السكّاكي يعم المساواة فتعريفه بأداء المقصود بأكثر منه لا يلائم مذهبه انتهى. قال صاحب الأطول: أمّا أنّ هذا التعميم المذكور اصطلاح السكّاكي فغير ثابت انتهى؛ فقول صاحب الإتقان أولى. ثم قال صاحب الأطول:
المساواة عند السكّاكي هي متعارف الأوساط الذين يكتفون بأداء أصل المعنى على ما ينبغي، أي كلامهم في مجرى عرفهم في تأدية المعاني و ربما يشتمل متعارفهم على الحذف و مع ذلك لا يسمّى اختصارا و إيجازا لأنه متعارفهم فإن عرفهم في طلب الإقبال يا زيد و هو مشتمل على الحذف و في التحذير إياك و الأسد و امرأ و نفسه و حمدا و سقيا، و هي لا تحمد في باب البلاغة من الأوساط و لا تحمد أيضا من البليغ معهم، لأنه لا يقصد معهم بكلامه مزية سوى التجريد عن المزايا، و بذلك يرتقي عن أصوات الحيوانات، و لا تذم أيضا لا منهم و لا من البليغ. و أمّا التكلّم بمتعارفهم إذا عرى عن المزية فلا يحمد من البليغ معهم و يذم منه مع البليغ، و إذا اشتمل على المزايا التي هم غافلون عنها كما في إيّاك و الأسد فمعهم لا يحمد من البليغ و لا يذمّ و مع البليغ يحمد لأن البليغ قصد به مزايا تتعلّق بالإيجازات التي فيها، فالإيجاز عنده أداء المقصود بأقل من المتعارف، و الإطناب أداؤه بأكثر منه، لكن يرد على السكّاكي أمران: أحدهما أنهم جعلوا نحو: نعم الرجل زيد من الإطناب و لا عبارة للأوساط غيره. و ثانيهما أنه لم يحفظ تعريف الإيجاز عن دخول الإخلال و تعريف الإطناب عن دخول الحشو و التطويل، و لذا عدل عنه القزويني و قال الأقرب الخ.
و فيما ذكر القزويني أيضا أنظار: الأول أنه إن أراد بالمقبول المقبول مطلقا سواء كان من البليغ أو من الأوساط فالزائد و الناقص غير مقبولين من الأوساط لأنهما خروج عن طريقهم لا لداع، و إن أراد المقبول من البليغ فليس المساوي و الناقص الوافيان مقبولين مطلقا، بل إذا كانا لداع. و الثاني إنّ قولنا جاءني إنسان و قولنا جاءني حيوان ناطق كلاهما مساو بأنه أصل المراد بلفظ مساو فينبغي أن لا يكون أحدهما إطنابا و الآخر إيجازا. و بالجملة لا يشتمل تعريف الإيجاز إيجاز القصر. و الثالث إن قولنا حمدا لك و نظائره مساواة بتعريف السكّاكي و إيجاز بتعريف القزويني، فنزاعه مع السكّاكي في نقل اصطلاح القوم في مثله لا يسمع بدون سند قوي. و لو قيل المراد المساوي بحسب الأوساط فتعريفه يؤول إلى ما ذكره السكّاكي.
و الرابع الإيجاز و الإطناب و المساواة مختصّة
[١] هو المبارك بن محمد بن محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني الجزري، أبو السعادات مجد الدين. ولد بالقرب من الموصل عام ٥٤٤ ه/ ١١٥٠ م و توفي عام ٦٠٦ ه/ ١٢١٠ م. محدث، لغوي، أصولي. له العديد من المؤلفات الهامة.
الأعلام ٥/ ٢٧٢، بغية الوعاة ٣٨٥، وفيات الأعيان ١/ ٤٤١، الكامل ١٢/ ١١٣، إرشاد الأريب ٦/ ٢٣٨، طبقات الشافعية ٥/ ١٥٣.