بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٦١ - الوجه الثالث أن أكل المال في مقابل أداء الواجب من قبيل أكل المال بالباطل، والجواب عنه
في مقابل وفاء الديون التي انشغلت بها الذمم، مع أن المملوك للغير هو الأعيان الخارجية أو الذمية بنفسها وليس تسليمها إلا واجباً تكليفاً لمنافاته لسلطنتهم عليها.
وكذا الحال في بقية الواجبات التوصلية كالإنفاق على من يجب الإنفاق عليه وتجنب عقوق الوالدين وقطيعة الرحم وردّ السلام والوفاء باليمين والعهد. وأظهر من ذلك الواجبات التعبدية كالصلاة والصيام وغيرها.
أقول: الذي تشهد به ارتكازات العُقلاء آمرين وأتباعاً هو المنع من أكل المال في مقابل ما يُطلب من الشخص أن يأتي به على سبيل المجانية، والأمثلة التي ذُكرت كلها من هذا القبيل، فإن وجوب تسليم المملوك الخارجي أو الذمي إلى مالكه مبني على المجانية، لأنه من الأحكام التكليفية المندمَجة في ذلك الحكم الوضعي أي الملكية والحكم التكليفي المنسجم معه هو وجوب التخلية بين المالك ومملوكه من دون أخذ عوض عليها.. وهكذا في سائر الموارد المذكورة من الواجبات التعبدية والتوصلية، فإن المناسبات الارتكازية للمتشرعة تقتضي كونها مبنية على المجانية، على أساس ما تقدم بيانه في ذيل الوجه الثاني.
وبذلك يظهر أن ما أفاده السيد الحكيم (قدس سره) [١] وغيره من أن عدم جواز التكسب في الواجبات المذكورة إنما هو لثبوت عدم مشروعيتها إلا إذا أتى بها المكلف عن نفسه مجاناً متين جداً.
وأما ما قيل [٢] في ردّه: من (أنه لا منشأ لثبوت عدم مشروعيتها حينئذٍ بعد إطلاق أدلتها إلا استنكار التكسب بها ارتكازاً بعد وجوبها، الموجب لكون أكل المال في مقابلها أكلاً له بالباطل) فلا يمكن المساعدة عليه، فإنه لما كان المرتكز في الأذهان هو كون الواجبات المذكورة مبنية على المجانية لم ينعقد لأدلتها إطلاق يقتضي مشروعيتها مع الإتيان بها بأجرة، فلا تصل النوبة إلى ما زُعم من دعوى ارتكازية عدم جواز التكسب بالواجب من حيث كونه واجباً.
[١] مستمسك العروة الوثقى ج:٦ ص:٢٢٩.
[٢] مصباح المنهاج (كتاب التجارة) ج:١ ص:٢٥٧.