بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٥٩٣ - هل يصح لمن آجر نفسه للحج عن آخر مباشرة في سنة معينة أن يؤجرها للحج عن ثانٍ كذلك مع وقوع الإجارتين على العمل في ذمته؟
المورد المتقدم ببطلان الإجارة الثانية بعد وضوح صحة الأولى من جهة أن الأجير لا يملك منفعة خارجية مضادة للمنفعة التي تم تمليكها للمستأجر الأول فلا موضوع للإجارة الثانية، وأما هنا فالأمر مختلف تماماً، لأن ما تم تمليكه بالإجارة الأولى للمستأجر الأول هو عمل في الذمة والذمة وسيعة ومجرد اشتغالها بعمل لأحد لا يوجب عدم تسلط المؤجِّر على عمل آخر يملّكه لشخص ثانٍ، فلا يمكن البناء على بطلان الإجارة الثانية من جهة أنه لا موضوع لها، بل الموضوع متحقق فمقتضى القاعدة البناء على صحتها أيضاً. هذا هو الأساس في تصحيح الإجارة الثانية.
ولكنه ليس بتام، فإن الموردين على نسق واحد أي كما أن العقلاء لا يثبتون الحق لمن ملّك منفعته الخارجية لغيره في أن يملّك منفعة مضادة له لشخص آخر، ولذلك يبنون على بطلان الإجارة الثانية، كذلك لا يثبتون الحق لمن ملّك غيره عملاً على ذمته في أن يملّك عملاً مضاداً للعمل الأول على ذمته لشخص آخر، بل يرون أن التمليك الثاني لغو لا أثر له. فهو عندهم نظير أن يملّك الغير عملاً لا يقدر على القيام به في حدِّ ذاته، كأن يؤجر الأمّي نفسه للكتابة مباشرة.
وكما لا مجال للقول فيه بأن الذمة وسيعة والاعتبار خفيف المؤونة فلا مانع من التمليك المذكور كذلك لا مجال لهذا الكلام في مورد البحث مما فرض فيه عدم قـدرة الـشخص على الجـمع فـيه بـين الـعمل الـثاني والـعمل الأول المـملـوك للغير على ذمته، فإن حدود ما يثبت في الذمة وتشتغل به إنما تتبع نظر العقلاء، إذ الذمة وعاء اعتباري والمعتبر هم العقلاء، ولا يمكن الالتزام باشتغالها بما لا يرى العقلاء أنها تشتغل به، والاشتغال وضعاً بالعمل المضاد لما هو مملوك الغير من هذا القبيل.
فالنتيجة: أن ما أفيد من بطلان الإجارة الثانية في محله.