بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٥٨٦ - هل يصح لمن آجر نفسه للحج عن آخر مباشرة في سنة معينة أن يؤجرها للحج عن ثانٍ كذلك مع وقوع الإجارتين على العمل في ذمته؟
الجواب الثالث: أن يقال [١] : إن هذا الوجه أخص من المدعى، فإنه إنما يتم لو أنشئت الإجارة الثانية في زمن تنجّز وجوب الوفاء بالإجارة الأولى وتسليم العمل المستأجر عليه، كما لو فرضنا أنه آجر نفسه للحج وحين حلَّ الموسم آجر نفسه للحج عن شخص آخر، وها هنا لما كانت الإجارة الثانية بعد تنجّز وجوب تسليم العمل المستأجر عليه في الإجارة الأولى فهي باطلة من جهة عدم القدرة على التسليم، لأن وجوب التسليم إذا صار فعلياً ومنجزاً كان معجِّزاً مولوياً عن الوفاء بالإجارة الثانية فتبطل لا محالة. وأما إذا فرض أن الإجارة الثانية كانت قبل زمان تنجّز وجوب الوفاء بالإجارة الأولى وتسليم العمل المستأجر عليه فيها فلا وجه للحكم ببطلانها، إلا إذا فرض أن القدرة المعتبرة في الإجارة هي القدرة المطلقة على الوفاء بها فإنه بناءً عليه يكون مرد وجوب الوفاء بالإجارة الأولى إلى إلزام الأجير بالحفاظ على قدرته للوفاء بها في ظرفها وعدم جواز تفويتها إذا كان واجداً لها ولزوم تحصيلها إن كان فاقداً لها، وحينئذ يكون معجزاً مولوياً عن صرف قدرته في الوفاء بالإجارة الثانية، فلا يكون الوفاء بها مقدوراً شرعاً، فلذلك تبطل.
ولكن القدرة المعتبرة في الإجارة إنما هي القدرة الخاصة وهي القدرة في ظرف العمل لا مطلقاً، فإذاً لا يكون الأجير ملزماً بصرف قدرته على الوفاء بالإجارة الأولى والحفاظ عليها لأجلها بل له تفويت هذه القدرة وصرفها في شيء آخر قبل وقت الوفاء بها.
وعلى ذلك فلا مانع من كون الإجارة الثانية مشمولة لإطلاق دليل الإمضاء في حدِّ نفسها، ويقع التعارض بين شمول الإطلاق للإجارة الأولى وشموله للإجارة الثانية فيسقطان معاً من جهة المعارضة، وحينئذٍ فلا دليل على صحة شيء منهما بل يُحكم ببطلانهما معاً.
وهذا الجواب غير تام أيضاً من جهات..
الجهة الأولى: أنه لا أساس لما ذُكر من أن تنجّز الحكم بوجوب تسليم
[١] تعاليق مبسوطة على العروة الوثقى ج:٨ ص:٣٧١ وما بعدها.