بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٤٥٠ - حكم الجعالة على الحج
على المجانية، وإن لم يكن ملتزماً في نفسه بتعويض العامل عن عمله، وإن كان هذا الالتزام موجوداً عادة، ولعله هو الأساس للحكم العقلائي المذكور.
وثانياً: أن الضمان بالغرامة لا يثبت بمجرد الإذن بالقيام بعمل ما كما لو أَذِن في أن يحلق رأسه، بل لا بد من كونه عن طلب. وأما في الجعالة فلا يشترط تضمنها معنى الطلب بل يكفي في استحقاق المجعول له للجُعل إتيانه بالعمل ولو لم يكن طلب من الجاعل في إتيانه به بل مجرد الإذن في ذلك، كما لو قال: (إني لا أطلب خياطة ثوبي ولكن من خاطه فله دينار).
وثالثاً: أن ما يستحقه العامل في مورد الضمان بالغرامة هو أجرة المثل على ذمة العامل في حين أن الجُعل يمكن أن يكون عيناً خارجية ويمكن أن يكون كلياً في الذمة أقل من أجرة المثل أو أكثر منها ومن النقد الرائج في البلد أو من غيره.
ودعوى: أن استحقاق العامل في الجعالة لأصل التعويض على عمله يكون من جهة أمر الجاعل وبملاك الضمان بالغرامة، وأما نوع العوض ومقداره فهو الذي يخضع للاتفاق بين الطرفين دعوى لا شاهد عليها في البناء العقلائي، بل الأقرب إلى نظرهم أن ما يخضع للاتفاق بين الطرفين يكون من الضمان المعاوضي، وإنما يثبت الضمان بالغرامة في خارج هذا الإطار.
ورابعاً: أنه يكفي في صحة الجعالة عند العقلاء أن يكون العمل مما يترتب عليه غرض عقلائي وإن كان من الأعمال البسيطة التي لا مالية لها كالتفوّه بجملة واحدة، فمن تعلّق غرضه بأن يتلفظ شخص بالصلاة على النبي ٦ عند قدوم عالم في المجلس إعظاماً له يصح أن يجعل عليه جُعلاً، مع أنه لو طلب منه هذا الفعل ففعله لا يوجب الضمان. نعم إذا لم يكن هناك غرض عقلائي فلا تصح الجعالة عليه.
وهذا يكشف بوضوح عن أن استحقاق الجعل ليس بملاك الضمان بالغرامة لاختصاصه كما تقدم بما إذا كان العمل مما له مالية عند العرف [١].
[١] تجدر الإشارة إلى أنه وإن كان مقتضى القاعدة وفق ما ذكر في أعلاه صحة الجعالة على الإقراض إلا أنه يمكن الالتزام بعدم جوازها من جهة ما ورد في صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر ٧ قال: ((من أقرض رجلاً ورقاً فلا يشترط إلا مثلها فإن جوزي أجود منها فليقبل، ولا يأخذ أحد منكم ركوب دابة أو عارية متاع يشترطه من أجل قرض ورقه)) (تهذيب الأحكام ج:٦ ص:٢٠٣) بناءً على ما أفاده سيدي الأستاذ الوالد (دامت بركاته) من شمولها لكل التزام مرتبط بالقرض حتى إذا كان من قبيل الجعالة عليه، فإن الشرط بمعناه اللغوي يعم مطلق أنحاء الارتباط بين التزامين لا خصوص الالتزام في ضمن التزام آخر.