بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٤٠ - كفاية الإضافة التخضعية إلى الله تعالى في وقوع العمل عبادة
وجه النظر: أن المعتبر في العبادية كما تقدم هو مجرد الإتيان بالعمل على وجه التخضع لله تعالى، ولا يعتبر أن يكون على وجه يكون متقرباً به إليه ويستحق الثواب عليه، فإنه لا دليل عليه، بل يمكن أن يقال: إن الدليل على خلافه، فإن المقربية واستحقاق الجزاء منوطان بالقبول، وليس كل عبادة مقبولة لدى الله سبحانه، فالصلاة التي هي أهم العبادات لا تُقبل ولا تكون مقربة إلى الله تعالى ولا يستحق عليها الأجر إلا بمقدار ما يُقبل المصلي بقلبه عليها، كما ورد عن أبي جعفر ٧ [١] من: ((أن العبد ليُرفع له من صلاته نصفها أو ثلثها أو ربعها أو خمسها. فما يُرفع له إلا ما أقبل عليه بقلبه..))، فإذا فُرض أنه لم يُقبل المصلي بقلبه في شيء من صلاته بل حدّث نفسه فيها من أولها إلى آخرها فلا يُرفع له شيء من صلاته، ومع ذلك فهي مسقطة للتكليف إذا اشتملت على جميع الأجزاء والشرائط ولم تقترن بشيء من الموانع. فالعبادية أمر واستحقاق الجزاء على العمل وكونه مقرِّباً أمر آخر.
وقد تحصل مما تقدم: أنه لا يعتبر في وقوع العمل عبادة قصد التقرب به إلى الله تعالى وإن تداول التعبير به في كلمات غير واحد بل المعتبر هو قصد التخضع به فقط، ولو كان المعتبر قصد التقرب للزم الحكم ببطلان العبادة إذا أتى بالعمل امتثالاً للأمر ولكن بقصد الفرار من العقوبة الأخروية أو بقصد الحصول على بعض الفوائد الدنيوية التي هي من قبيل الآثار الوضعية، فإنه يكون عندئذٍ كما لو قصد استحقاق الأجرة المترتب عليه، ومن الواضح أن هذا مما لا يمكن الالتزام به.
وأما ما قيل [٢] من أنه لا مجال لقياس قصد استحقاق الأجرة المترتب على العبادة بقصد آثارها وفوائدها الدينية والدنيوية للفرق عرفاً وارتكازاً بين الفوائد التي هي من سنخ الجزاء المتقرب إليه نتيجة قبوله للعمل وشكره عليه وحصول القرب منه بسببه والفوائد الأخرى التي لا دخل للمتقرب إليه بها كاستحقاق
[١] الكافي ج:٣ ص:٣٦٣.
[٢] مصباح المنهاج (كتاب التجارة) ج:١ ص:٢٧٢.