بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٣٧٣ - في شمول إطلاقات الأدلة العامة للنيابة عن الكافر
وقد يقال [١] : إنه لما ثبت كون حجة الإسلام من قبيل الديون فمقتضى إطلاق قوله تعالى [٢] : ((مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ)) هو لزوم إخراجها من التركة وإن كان الميت كافراً.
ولكن يلاحظ عليه: أن الآية الكريمة لا تشمل إلا ما هو دين عرفاً، ومرَّ مراراً أن الدين عند العرف هو المملوك الذمي الذي يُعدّ مالاً، فلو كان ما تشتغل به الذمة عملاً فلا بد أن يكون مملوكاً للغير أولاً ولا بد أن يكون مما لوحظ فيه جانب المالية ثانياً ليُعدَّ ديناً حقيقة، وليس كل ما تشتغل به الذمة وضعاً يكون ديناً عرفاً.
نعم ثبت بموجب بعض النصوص وهو صحيح معاوية بن عمار [٣] عن أبي عبد الله ٧ في رجل توفي وأوصى أن يحج عنه. قال: ((إن كان صرورة فمن جميع المال إنه بمنزلة الدين الواجب)) كون حجة الإسلام بمنزلة الدين في الخروج من أصل التركة. ولكن مورده المسلم، بقرينة قوله: (وأوصى أن يحج عنه) ولا إطلاق له ليشمل الكافر.
والحاصل: أنه لا دليل على أن الكافر الذي مات على كفره تكون ذمته مشغولة بحجة الإسلام، وكونها بمنزلة الدين في الخروج من أصل تركته.
ولو وجد نصّ على اشتغال ذمة الكافر بالحج بعد وفاته لكفى دليلاً على صحة النيابة عنه، ولا حاجة إلى إثبات كونه من قبيل الديون ثم التمسك بالآية الكريمة، لأنه قد مرَّ في ما مضى أنه لا مصحح لاعتبار اشتغال ذمة الميت بعمل إلا تشريع النيابة فيه عنه، وأن معنى ثبوت الحج في ذمة الميت هو اشتغال ذمته بالحج الصادر من الغير بالنيابة عنه، فلو ثبت اشتغال ذمة الكافر بالحج بعد وفاته فلا محيص من البناء على مشروعية النيابة عنه، كما أن اشتغال ذمة الميت بالدين إنما هو من جهة مشروعية أدائه عنه وإلا فلا مصحح لهذا الحكم الوضعي أيضاً.
[١] مستند العروة الوثقى (كتاب الحج) ج:٢ ص:١٦ (الهامش).
[٢] النساء: ١١، ١٢.
[٣] الكافي ج:٤ ص:٣٠٥.