بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ١٨٣ - الوجوه التي استدل بها على بطلان حج النائب في مفروض المسألة، والجواب عنها
وعلى هذا الأساس التزم (قدس سره) بأنه إذا كان لدى المكلف من الماء ما لا يفي بالجمع بين إنقاذ مسلم من العطش والوضوء لصلاة الفريضة، فهو وإن وجب عليه صرف الماء في رفع عطش المسلم والتيمم لصلاة الفريضة إلا أنه إذا خالف وتوضأ يقع وضوؤه صحيحاً، مع أن الوضوء مما تعتبر فيه القدرة الشرعية بخلاف إنقاذ المسلم فإن وجوبه مشروط بالقدرة العقلية، وخالف في ذلك المحقق النائيني (قدس سره) الذي حكم ببطلان الوضوء في هذا الفرض.
ولكن الذي نُسب [١] إليه (قدس سره) في سائر تقريراته الأصولية خلاف ما تقدم وموافقته للمحقق النائيني (قدس سره) في عدم جريان الترتب في الواجبين اللذين يكون أحدهما مشروطاً بالقدرة الشرعية والآخر بالقدرة العقلية.
ومما قاله (قدس سره) في توضيح ذلك [٢] : (إن الترتب إنما يتصور فيما إذا كانت القدرة في كلا الخطابين معتبرة بحكم العقل، وأما إذا كانت القدرة مأخوذة في أحدهما أو كليهما شرعاً فلا مجال للترتب أصلاً، وذلك لأن الترتب معناه اشتراط الخطاب بعصيان الآخر، وهو إنما يعقل فيما إذا لم يكن مجرد الأمر معدماً لموضوعه.
وبالجملة: تارة يكون نفس أحد الأمرين معدماً لموضوع الآخر وأخرى يكون امتثاله معدماً لموضوعه، والترتب يتصور في الثاني إذ عند تحقق العصيان فيه يقدر المكلف على الإتيان بالثاني. وأما لو كان نفس الأمر معدماً لموضوعه فبمجرد تحقق الأمر انعدم موضوع ذلك سواء عصى المكلف أو امتثل ولا دخل للعصيان وعدمه في ذلك ليؤمر به على فرض العصيان.
وموارد أخذ القدرة في الحكم شرعاً دائماً من هذا القبيل، كالأمر بالطهارة المائية للواجد بمعنى القادر.. فإذا فرضنا أمرَ المولى المكلف بصرف مائه في حفظ النفس المحترمة فبمجرد ذلك يوجب خروجه عن عنوان الواجد، لأنه
[١] لاحظ دراسات في علم الأصول ج:٢ ص:٤٦، وغاية المأمول ج:١ ص:٤٧٧، ومصباح الأصول ج:٣ ص:٣٥٩.
[٢] دراسات في علم الأصول ج:٢ ص:٤٦.