بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ١٣٢ - حكم نيابة المجنون الذي له قدر من التمييز
لم يثبت وروده كذلك، وقد مرّ [١] الكلام عنه مفصلاً، فليلاحظ.
فظهر بما ذكرنا: أن التمسك بحديث رفع القلم لعدم مشروعية نيابة المجنون المميز في غير محله.
الوجه الثاني: ما دلَّ على إناطة الأمر والنهي بالعقل، ومنه صحيح محمد بن مسلم [٢] عن أبي جعفر ٧ قال: ((لما خلق الله العقل استنطقه ثم قال له: أقبل، فأقبل. ثم قال له: أدبر، فأدبر. ثم قال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً هو أحب إليَّ منك، ولا أكملتك إلا فيمن أحب. أما إني إياك آمر وإياك أنهى، وإياك أعاقب وإياك أثيب)).
وقد اُستدل [٣] بهذه الرواية على عدم صحة نيابة المجنون. ولعل مبنى الاستدلال بها هو أن النائب إنما يمتثل الأمر المتوجه إليه، فإذا كان مجنوناً فلا أمر له بمقتضى الرواية الشريفة، لأنه لا عقل له فلا يمكنه حينئذٍ الإتيان بالعبادة النيابية.
نعم على مبنى من يقول أن النائب يمتثل الأمر المتوجه إلى المنوب عنه فلا محل للتمسك بهذه الرواية، لأن أقصى ما يستفاد منها أن من لا عقل له لا يتوجه إليه أمر ولا نهي، ولكن المفروض أن النائب لا يمتثل الأمر المتوجه إليه وإنما يمتثل الأمر المتوجه إلى المنوب عنه الذي هو عاقل، فلا مانع من نيابته عنه.
ولكن يمكن أن يناقش هذا الاستدلال بأن العقل على درجات، وقد ورد في بعض الروايات عن أبي جعفر ٧ [٤] قال: ((إنما يُداقّ الله العباد في الحساب يوم القيامة على قدر ما آتاهم من العقول في الدنيا)).
ومعنى ذلك: أن من لم يمنحه الله تعالى شيئاً من العقل لم يحاسبه يوم القيامة على شيء، لأنه لم يكن مكلفاً بشيء، فلا عقاب ولا ثواب بالنسبة إليه. ومن أوتي درجـة معـينة يـدرك بها قبح بعض الأمور كالاعتداء على الآخرين في
[١] لاحظ ج:١ ص:٤٢٠.
[٢] الكافي ج:١ ص:١٠.
[٣] مصباح الناسك في شرح المناسك ج:١ ص:١٥٠ (النسخة الثانية).
[٤] الكافي ج:١ ص:١١.