كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٩٩٧ - فائدة
عبده به بعد ما فني فناء مطلقا عن ذاته، و تطهّر من زخارف الدنيا، حتى يترقّى بعد ذلك إلى عالم الاتصاف بالأوصاف الإلهية، و يتخلّق بالأخلاق الرّبّانيّة [١].
و عند الأصوليين و أهل النظر هو من مسالك إثبات العلّة و يسمّى بالسير و التقسيم أيضا و بالتقسيم أيضا و بالترديد أيضا. فالتسمية بالسير فقط أو بالتقسيم فقط أو بالترديد فقط إمّا تسمية الكلّ باسم الجزء و إمّا اكتفاء عن التعبير عن الكلّ بذكر الجزء، كما تقول قرأت ألم و تريد سورة مسماة بذلك، و يفسّر بأنّه حصر الأوصاف الموجودة في الأصل الصالحة للعليّة في عدد ثم إبطال علّية بعضها لتثبت علّية الباقي. و عند التحقيق الحصر راجع إلى التقسيم و السّير إلى الإبطال. و حاصله أن تتفحّص أولا أوصاف الأصل أي المقيس عليه. و يردّد بأنّ علّة الحكم فيه هل هذه الصفة أو تلك أو غير ذلك ثم تبطل ثانيا علّة [٢] كلّ صفة من تلك الصفات حتى يبقى وصف واحد، فيستقر و يتعيّن للعلّية.
فيستفاد من تفحّص أوصاف الأصل و ترديدها لعلّية الحكم و بطلان الكلّ دون واحد منها أنّ هذا الوصف علّة للحكم دون الأوصاف الباقية، كما يقال علّة حرمة الخمر إمّا الاتخاذ من العنب، أو الميعان، أو اللون المخصوص، أو الطعم المخصوص، أو الريح المخصوص، أو الإسكار. لكنّ الأول ليس بعلّة لوجوده في الدّبس بدون الحرمة، و كذلك البواقي ما سوى الإسكار، فتعيّن الإسكار لعلّية الحرمة في الخمر، هكذا في شرح التهذيب لعبد اللّه اليزدي.
فإن قيل المفروض أنّ الأوصاف كلّها صالحة لعلّية ذلك الحكم و الإبطال نفي لذلك، لأنّ معناه بيان عدم صلوح البعض فتناقض. قلنا المراد [٣] بصلوح الكلّ صلوحه في بادئ الرأي و بعدم صلوح البعض عدمه بعد التأمّل و التفكّر فلا تناقض. و بالجملة فالسير و التقسيم هو حصر الأوصاف الصالحة للعلّية في بادئ الرأي ثم إبطال بعضها بعد النظر و التأمّل، كما تقول في قياس الذرة على البرّ في الربوية بحثت عن أوصاف البرّ فما وجدت ثمة علّة للربوية في بادئ الرأي إلّا الطّعم أو القوت أو الكيل، لكن الطّعم أو القوت لا يصلح لذلك عند التأمّل فتعيّن الكيل، لأنّ الأشياء التي يوجد فيها الطعم و التي يحصل منها القوت من أعظم وجوه المنافع لأنها أسباب بقاء الحيوان و وسائل حياة النفوس، فالسبيل في أمثالها الإطلاق بأبلغ الوجوه و الإباحة بأوسع طرائق التحصيل لشدة الاحتياج إليها و كثرة المعاملات فيها دون التضييق فيها، لقوله تعالى يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [٤] و قوله تعالى وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [٥] و قوله عليه السلام لعليّ و معاذ حين أرسلهما إلى اليمن:
«يسّرا و لا تعسّرا» [٦]، و القول المجتهدين و المشقّة تجلب التيسير، هكذا في الهداية و حواشيه. و هناك مقامان أحدهما بيان الحصر و يكفي في ذلك أن يقول بحثت فلم أجد سوى
[١] و در توضيح المذاهب آرد سير إلى اللّه وقتى منتهي شود كه باديه وجود بقدم صدق يكبارگى قطع كند و سير في اللّه آنگاه متحقق شود كه او سبحانه تعالى بنده را بعد از فناي مطلق ذاتي مطهر از آلايش حدثان ارزاني فرمايد تا بدان در عالم اتصاف باوصاف إلهي و تخلق باخلاق رباني ترقي كند.
[٢] علية (م).
[٣] المقصود (م، ع).
[٤] البقرة/ ١٨٥.
[٥] الحج/ ٧٨.
[٦] صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب قول النبي يسّروا و لا تعسروا، ح (١٤٨) ، ٨/ ٥٥.