كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٧٦٨ - فائدة
الإشارات كأنّ الروح المصبوب في البطن المقدّم هو آلة للحسّ المشترك و الخيال إلّا أنّ ما في مقدم ذلك البطن أعني التجويف الأول أخص بالحسّ المشترك و ما في مؤخّره أخصّ بالخيال. و استدلّوا على وجود الخيال بأنّا إذا شاهدنا صورة ثم ذهلنا عنها زمانا ثم نشاهد مرة أخرى نحكم عليها بأنّها هي التي شاهدناها قبل ذلك، فلو لم تكن تلك الصورة محفوظة فينا زمان الذهول لامتنع الحكم بأنّها هي التي شاهدناها قبل ذلك و إن شئت تمام التحقيق فارجع إلى شرح المواقف و غيره.
قال الصوفية الخيال أصل الوجود و الذات الذي فيه كمال ظهور المعبود. ألا ترى إلى اعتقادك بالحق و أنّ له من الصفات و الأسماء ما له آين و آين محل ذلك، فعلم أنّ الخيال أصل جميع العوالم لأنّ الحق هو أصل الأشياء، و ذلك المحل هو الخيال، فثبت أنّ الخيال أصل العوالم بأسرها. ألا ترى إلى النبي صلى اللّه عليه و سلّم كيف جعل هذا المحسوس مناما، و المنام خيال حيث قال: (الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا) [١] يعني تظهر عليهم الحقائق التي كانوا عليها في دار الدنيا، فيعرفون أنّهم كانوا نياما لأنّ الموت يحصل الانتباه الكلّي. فإذا الغفلة منسحبة على أهل البرزخ و أهل المحشر و أهل الجنة و النار إلى أن يتجلّى عليهم الحق في الكثيب الذي يخرجون إليه أهل الجنة، فيشاهدون اللّه تعالى.
و هذه الغفلة هي النوم. فكل العوالم أصلها خيال، و لأجل هذا يقيد الخيال بمن فيها من الأشخاص فكل أمة من الأمم مقيدة بالخيال في أي عالم كانت، فأهل الدنيا مقيدون بخيال معاشهم أو معادهم، و كلا الأمرين غفلة من الحضور مع اللّه، فهم نائمون. و الحاضر مع اللّه هو المنتبه و على قدر حضوره مع اللّه يكون انتباهه من النوم. ثم أهل البرزخ نائمون لكن أخف من نوم أهل الدنيا، فهم مشغولون بما كان منهم و ما هم فيه من عذاب أو نعيم، و هذا نوم لأنهم غافلون عن اللّه و كذلك أهل القيمة فإنهم لو وقفوا بين يدي اللّه للمحاسبة فإنهم مع المحاسبة لا مع اللّه، و هذا نوم لأنه غفلة عن الحضور، لكنهم أخف نوما من أهل البرزخ.
و كذلك أهل الجنة و النار فإنّ هؤلاء مع ما تنعّموا به و هؤلاء مع ما تعذّبوا به و هذا غفلة من [٢] اللّه لكنهم أيضا أخف نوما من أهل المحشر. فلا انتباه إلّا لأهل الأعراف و من في الكثيب فقط فإنّهم مع اللّه، و على قدر تجلّى الحق عليهم يكون الانتباه حاصلا له. و من حصل له في الدنيا بحكم تقديم ما تأخّر لأهل الجنة في الكثيب فتجلّى عليه الحق فعرفه فهو يقظان. و لذا أخبر سيّدنا أن الناس نيام. فإذا عرفت أنّ أهل كل عالم محكوم عليهم بالنوم، فاحكم على تلك العوالم جميعها أنّها خيال لأنّ النوم عالم الخيال كذا في الإنسان الكامل.
و يقول في كشف اللغات: يقولون: إنّ الخيال هو عالم المثال، و ذلك هو البرزخ بين عالم الأرواح و الأجسام. و قال الجنيد (البغدادي):
إني وجدت سبعين وليا يعبدون اللّه بوهم و خيال. و العبادة بالوهم و الخيال تلك هي التي يقال لها: إنّها تكون بغير تمكين و استقامة و مشاهدة الحق و معاينة حقيقة اليقين التي هي للخواص. و ليست تلك المسيطرة على العوام بالوهم و الخيال. نعوذ باللّه منها. و الخيال عند الشعراء هو: إيراد ألفاظ مشتركة تشتمل على معنين؛ أحدهما حقيقي و الثاني مجازي. و المراد منهما هو المجازي و شرط أن يكون مجازا
[١] ذكره العجلوني كشف الخفاء، ٢/ ٤١٤، و قال هو من قول علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه، لكن عزاه الشعراني في الطبقات لسهل التستري.
[٢] عن (م).