كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٤٢٩ - التقسيم
الإسناد. و قد يقع التسلسل في معظم الإسناد أي أكثره. فمثال التسلسل القولي قول الراوي سمعت فلانا قال سمعت فلانا إلخ، أو حدثنا فلان قال حدثنا فلان إلخ. و مثال الفعلي قوله دخلنا على فلان فأطعمنا تمرا قال دخلنا على فلان فأطعمنا تمرا إلخ. و مثال القولي و الفعلي معا قوله حدثني فلان و هو آخذ بلحيته قال آمنت بالقدر خيره و شرّه و حلوه و مرّه قال: حدثني فلان و هو آخذ بلحيته قال آمنت بالقدر خيره و شرّه و حلوه و مرّه إلخ، هكذا في شرح النخبة و شرحه. و في خلاصة الخلاصة المسلسل هو ما تتابع فيه رجال الإسناد عند رواية على صفة واحدة. و تلك الصفة إمّا في الرواة و هو على ضربين: قولي كقولهم سمعت فلانا أو أخبرنا فلان إلخ، و هو قسمان: الأول ما اتصل بالرسول صلى اللّه عليه و سلم و منه مسلسل إني أحبك في حديث «اللهم أعنّي على ذكرك و شكرك و حسن عبادتك» [١]. و الثاني ما انقطع في آخره. و فعلي كحديث التشبيك باليد و العدّ بها و المصافحة و أشباهها. و إمّا في الرواية كالمسلسل باتفاق أسماء الرواة و أسماء آبائهم أو كناهم أو أنسابهم كسلسلة الأحمديين أو بلدانهم كسلسلة الدمشقيين المروية عن النووي، أو صفاتهم كالفقهاء في المتبايعان بالخيار. و أفضله ما دلّ على اتّصال السّماع و من فضله زيادة الضبط انتهى. و عند الحكماء عبارة عن ترتّب أمور غير متناهية مجتمعة في الوجود و الترتيب سواء كان الترتّب وضعيا أو عقليا، صرّح بذلك المولوي عبد الحكيم في حاشية شرح الشمسية في برهان امتناع كون كلّ من التصوّر و التصديق بجميع أفراده نظريا، و هذا تعريف للتسلسل المستحيل عند الحكماء.
و أمّا التسلسل مطلقا فهو ترتّب أمور غير متناهية عند الحكماء و كذا عند المتكلمين. و أمّا التّسلسل المستحيل عندهم فترتب أمور غير متناهية مجتمعة في الوجود. و بالجملة فاستحالة التّسلسل عند الحكماء مشروطة بشرطين اجتماع الأمور الغير المتناهية في الوجود و الترتيب بينها إمّا وضعا أو طبعا. و عند المتكلمين ليست مشروطة بشرطين مذكورين، بل كلّ ما ضبطه الوجود يستحيل فيه التسلسل. و يؤيّده ما وقع في شرح حكمة العين أقسام التسلسل أربعة، لأنه إمّا أن لا تكون أجزاء السلسلة مجتمعة في الوجود أو تكون، و الأوّل هو التسلسل في الحوادث، و الثاني إمّا أن يكون بين تلك الأجزاء ترتّب طبيعي و هو كالتسلسل في العلل و المعلولات و نحوها من الصفات و الموصوفات المترتبة الموجودة معا، أو وضعي و هو التسلسل في الأجسام، أو لم يكن بينها ترتّب [٢] و هو التسلسل في النفوس البشرية. و الأقسام بأسرها باطلة عند المتكلّمين دون الأول، و الرابع عند الحكماء انتهى.
و تلخيص ما قال الحكماء هو أنّه إذا كانت الآحاد موجودة معا بالفعل و كان بينها ترتّب أيضا، فإذا جعل الأول من إحدى الجملتين بإزاء الأول من الجملة الأخرى كان الثاني بإزاء الثاني قطعا، و هكذا فيتم التطبيق المستلزم للمحال بلا شبهة. و تقريره أن يقال لو تسلسلت الأمور المترتّبة الموجودة معا لأمكن
[١] أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه، ٧/ ١٣٤، عن همام بن عروة عن أبيه، كتاب الدعاء (٢٥) ، باب ما أمر النبي صلى اللّه عليه و سلم عمر بن الخطاب أن يدعو به (١٣٦) ، الحديث رقم (٢) ، و أخرجه أيضا عن محمد بن المنكدر، ٧/ ٦٣، كتاب الدعاء (٢٥) ، باب ما كان يدعو به النبي صلى اللّه عليه و سلم (٤٣) ، الحديث رقم (١١) ، بزيادة: «و أعوذ بك أن يبلغني دين أو عدو، و أعوذ بك من غلبة الرجال».
و أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد، ١٠/ ١٧٢، عن أبي هريره، كتاب الأدعية، باب الاجتهاد في الدعاء.
[٢] و هو التسلسل في الاجسام أو لم يكن بينها ترتب (- ع).