كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٢٠٤ - فائدة
الصدّيق الأكبر [١] عند ذهاب رسول اللّه في وقت الهجرة من مكة إلى المدينة، حين سأله بعض الكفار عن الرسول صلى اللّه عليه و آله و سلّم بقوله: من هذا قدّامك؟ فقال الصدّيق: رجل هادينا. فالتفصيل هاهنا كان موجبا للفساد العظيم فالأصح أنه ممكن لعدم امتناع وضع اللفظ الواحد لمعان متعددة مختلفة بأوضاع متعددة.
و قد يجاب بأنه يفهم واحد من المعاني، و لا يلزم الترجيح بلا مرجّح لجواز أن يكون بين بعض المعاني و الذهن مناسبة ينتقل الذهن من اللفظ إليه أو يكون بعضها مناسبا للفظ بحيث يتبادر الذهن بسبب تلك المناسبة إليه، أو يكون بعضها مشهورا بحيث يتسارع الذهن بسبب الشهرة إليه، أو تكون القرينة مرجّحة لبعض المعاني على الآخر.
و الاختلاف الثاني في وقوع الاشتراك في اللغة، قال البعض: ليس بواقع، لأنّ وقوعه يوجب الإجمال و الإبهام و هو مخلّ للاستعمال [٢] إذا لم يبيّن. و أمّا إذا بيّن المراد [٣] فالبيان هو الكافي للمقصود [٤]، و لا حاجة إلى غيره، فيلزم اللغو في وقوع المشترك و لأن الواضع إن كان هو اللّه تعالى فهو متعال عن اللغو و العبث، و إن كان غيره تعالى فلا بدّ لصدور الوضع من علّة غائية لأنّ الفعل الاختياري لا بدّ له من علّة غائية كما تقرر في موضعه. و أجيب بأنّ الإجمال و الإبهام قد يكون مقصودا في الاستعمال كما عرفت، و مثل أن يريد المتكلّم إفهام مقصوده للمخاطب المعيّن و إخفاءه عن غيره، فيتكلّم بلفظ مشترك يفهم المخاطب مراده [٥] منه بسبب كونه معهودا بينهما من قبل، أو بسبب قرينة خفيّة بحيث يفهم المخاطب دون غيره؛ و المبيّن قد يكون أبلغ من البيان وحده، و قد يحدث من اجتماعهما لطافة في الكلام لا يحصل من البيان وحده، و غير ذلك من الفوائد.
و أجيب بأن الواضع إذا كان اللّه تعالى فقد يكون المقصود منه ابتلاء العلماء الراسخين، و قد يكون المقصود منه توسيع المفاهيم بالنظر إلى جماعة العلماء المجتهدين، و قد يكون المقصود تشويق المخاطبين إلى فهم المراد [٦] حتى إذا ادركوه بعد التأمل وجدوه لذيذا لأن حصول المطلوب بعد الطلب و التعب يكون ألذ من المنساق بلا تعب و بغير نصب. و إن كان الواضع غيره تعالى فالمقصود قد يكون واحدا من تلك الأغراض و قد يكون غيرها مثل إخفاء المراد [٧] من غير المخاطب، و مثل اختبار ذهن المخاطب هل يفهم بالقرائن أم لا، أو اختيار مقدار فهم المخاطب هل يدرك بالقرائن الخفية أم لا، و غيرها من الأغراض. و قد يكون الواضع متعددا، فشخص وضع لفظا لمعنى
[١] أبو بكر الصديق هو عبد اللّه بن أبي قحافة عثمان بن عامر بن كعب التيمي القرشي، أبو بكر. ولد بمكة عام ٥١ ق. ه/ ٥٧٣ م و توفي بالمدينة عام ١٣ ه/ ٦٣٤ م. أول من آمن بالرسول من الرجال و أول الخلفاء الراشدين. من رجال العرب المشهورين و من سادات قريش: تاجر عالم بالأنساب و الأخبار. شهد الوقائع مع الرسول و حدّث عنه، و لقبه النبي بالصدّيق. الاعلام ٤/ ١٠٢، طبقات ابن سعد ٩/ ٢٦، ابن الأثير ٢/ ١٦٠، الطبري ٤/ ٤٦، اليعقوبي ٢/ ١٠٦، صفة الصفوة ١/ ٨٨، حلية الأولياء ٤/ ٩٣، تاريخ الخميس ٢/ ١٩٩.
[٢] بالاستعمال (م).
[٣] المقصود (م، ع).
[٤] للمقصود (م، ع).
[٥] مقصوده (م، ع).
[٦] المقصود (م، ع).
[٧] المقصود (م، ع).