كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ١٠١ - فائدة
الاجتهاد:
[في الانكليزية]Ijtihad )independent judgement( jurisprudence
[في الفرنسية]Ijtihad )jugement independant( jurisprudence
في اللغة استفراغ الوسع في تحصيل أمر من الأمور مستلزم للكلفة و المشقّة. و لهذا يقال اجتهد في حمل الحجر و لا يقال اجتهد في حمل الخردلة. و في اصطلاح الأصوليين استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظنّ بحكم شرعي.
و المستفرغ وسعه في ذلك التحصيل يسمّى مجتهدا بكسر الهاء. و الحكم الظنّي الشرعي الذي عليه دليل يسمّى مجتهدا فيه بفتح الهاء.
فقولهم استفراغ الوسع معناه بذل تمام الطّاقة بحيث يحسّ من نفسه العجز عن المزيد عليه، و هو كالجنس، فتبين بهذا أنّ تفسير الآمدي ليس اعمّ من هذا التفسير كما زعمه البعض. و ذلك لأنّ الآمدي عرّف الاجتهاد باستفراغ الوسع في طلب الظنّ بشيء من الأحكام الشرعية على وجه يحسّ من النفس العجز عن المزيد عليه.
و بهذا القيد الأخير خرج اجتهاد المقصّر و هو الذي يقف عن الطلب مع تمكنه من الزيادة على فعل من السعي، فإنه لا يعدّ هذا الاجتهاد في الاصطلاح اجتهادا معتبرا. فزعم هذا البعض أنّ من ترك هذا القيد جعل الاجتهاد أعمّ. و قيد [١] الفقيه احتراز عن استفراغ غير الفقيه وسعه كاستفراغ النّحوي وسعه في معرفة وجوه الإعراب و استفراغ المتكلّم وسعه في التوحيد و الصفات و استفراغ الأصولي وسعه في كون الأدلة حججا. قيل و الظاهر أنّه لا حاجة لهذا الاحتراز. و لذا لم يذكر هذا القيد الغزالي و الآمدي و غيرهما فإنه لا يصير فقيها إلّا بعد الاجتهاد، اللّهم إلّا أن يراد بالفقه التهيّؤ بمعرفة الأحكام. و قيد الظن احتراز من القطع إذ لا اجتهاد في القطعيّات. و قيد شرعي احتراز عن الأحكام العقليّة و الحسيّة. و في قيد بحكم إشارة إلى أنّه ليس من شرط المجتهد أن يكون محيطا بجميع الأحكام و مدارها بالفعل، فإنّ ذلك ليس بداخل تحت الوسع لثبوت لا أدري في بعض الأحكام، كما نقل عن مالك أنه سئل عن أربعين مسألة فقال في ستّ و ثلاثين منها لا أدري. و كذا عن أبي حنيفة قال في ثمان مسائل لا أدري، و إشارة إلى تجزئ الاجتهاد لجريانه في بعض دون بعض. و تصويره أنّ المجتهد حصل له في بعض المسائل ما هو مناط الاجتهاد من الأدلة دون غيرها، فهل له أن يجتهد فيها أو لا، بل لا بدّ أن يكون مجتهدا مطلقا عنده ما يحتاج إليه في جميع المسائل من الأدلة. فقيل له ذلك إذ لو لم يتجزّأ الاجتهاد لزم علم المجتهد الآخذ بجميع المآخذ و يلزمه العلم بجميع الأحكام، و اللازم منتف لثبوت لا أدري كما عرفت. و قيل ليس له ذلك و لا يتجزّأ الاجتهاد، و العلم بجميع المآخذ لا يوجب العلم بجميع الأحكام لجواز عدم العلم بالبعض لتعارض، و للعجز في الحال عن المبالغة إمّا لمانع يشوّش الفكر أو استدعائه زمانا.
اعلم أن المجتهد في المذهب عندهم هو الذي له ملكة الاقتدار على استنباط الفروع من الأصول التي مهّدها أمامه كالغزالي و نحوه من أصحاب الشافعي و أبي يوسف و محمد [٢] من أصحاب أبي حنيفة، و هو في مذهب الإمام
[١] قيل (م، ع).
[٢] محمد بن حسن الشيباني هو محمد بن الحسن بن فرقد، من موالي بني شيبان، أبو عبد اللّه. ولد بواسط عام ١٣١ ه/ ٧٤٨ م و توفي بالري عام ١٨٩ ه/ ٨٠٤ م. فقيه، أصولي مجتهد صاحب أبي حنيفة. تولى القضاء للرشيد. و كان فصيحا. له تصانيف هامة. الاعلام ٦/ ٨٠، الفوائد البهية ١٦٣، وفيات الاعيان ١/ ٤٥٣، البداية و النهاية ١٠/ ٢٠٢، الجواهر المضيئة ٢/ ٤٢، لسان الميزان ٥/ ١٢١، تاريخ بغداد ٢/ ١٧٢ و غيرها.