كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٩٣٩ - حرف السين (س)
و «أنّ امرأة يهودية سحرته و جعلت ذلك السحر راعوفة البير [١] فلما استخرج ذلك زال عن النبي عليه الصلاة و السلام ذلك العارض» [٢] و نزلت المعوّذتان بسببه. و ثانيها: «أنّ امرأة أتت عند عائشة رضي اللّه عنها فقالت: إني ساحرة فهل لي من توبة فقالت و ما سحرك؟ فقالت: صرت إلى الموضع الذي فيه هاروت و ماروت ببابل لطلب علم السّحر، فقالا لي يا أمّة اللّه لا تختاري عذاب الآخرة بأمر الدنيا فأبيت. فقالا لي: اذهبي فبولي على ذلك الرماد فذهبت لأبول عليه، ففكرت في نفسي، فقلت لا أفعل.
و جئت إليهما فقلت: قد فعلت. فقالا لي: ما رأيت لمّا فعلت؟ فقلت: ما رأيت شيئا. فقالا لي: أنت على رأس أمرك، فاتقي اللّه و لا تفعلي فأبيت. فقالا لي: اذهبي فافعلي. فذهبت ففعلت. فرأيت كأنّ فارسا مقنعا بالحديد خرج من فرجي فصعد إلى السماء، فجئتهما فأخبرتهما. فقالا: إيمانك خرج عنك، و قد أحسنت السّحر. فقالت: و ما هو؟ قالا: ما تريدين شيئا يتصوّر في وهمك إلّا كان فصورت في نفسي حبّا من حنطة فإذا أنا بحبّ أنزع، فخرج من ساعته سنبله. فقلت: انطحن، فانطحن و انخبز و أنا لا أريد شيئا إلّا حصل.
فقالت عائشة رضي اللّه عنها: ليس لك توبة» [٣]. انتهى من التفسير الكبير.
و قال الشيخ عبد الحقّ الدهلوي في مدارج النّبوّة: إنّ السّحر حرام. و قال بعضهم: إنّ تعلّمه بنية دفع السّحر عن نفسه ليس بحرام. و السّاحر الذي ليس في سحره كفر يستتاب، و أمّا إذا اشتمل على الكفر فيقتل. و في قبول نوبته اختلاف؛ كالزنديق الذي ينكر الدّين و النّبوّة و الحشر و النّشر و القيامة.
و أمّا حقيقة السّحر ففيها خلاف؛ فبعضهم يقول: إنّه مجرّد تخييل و إيهام. و هذا ما اختاره كلّ من أبي بكر الأسترآبادي الشافعي و أبي بكر الرازي من الحنفية و طائفة أخرى.
و إنّ جمهور العلماء متفقون على أن السّحر أمر حقيقي، و يدل على ذلك ظاهر الكتاب و الأحاديث المشهورة. و لكنهم مختلفون على حقيقة تأثير السّحر فقط في تغيير المزاج، فهو إذن نوع من المرض أو أنّ أثره يصل إلى حدّ التحوّل، يعني انقلاب حقيقة الشيء إلى شيء آخر. مثل الحيوان يصير جمادا، أو بالعكس، و الإنسان حمارا أو خروفا أو أسدا و بالعكس.
و الجمهور يقولون بذلك.
و أمّا بعضهم فيقول: ليس للسّحر ثبوت و لا وقوع، و هذا كلام باطل و مكابرة لأنّ القرآن و السّنّة يصرّحان بعكس ذلك. و السّحر من الحيل الصناعية الحاصلة بأعمال و أسباب عن طريق الاكتساب (و التعلم). و أكثر العاملين في هذا المجال هم من أهل الفسق و الفساد. و إذا كان السّحر في حال الجنابة فتأثيره أشدّ، بل إنّه إذا كانت الجنابة ناشئة عن وطء حرام أو المحارم فإنّه أشدّ تأثيرا. أعاذنا اللّه من السّحر و من الساحر.
و قد نقل بإسناد صحيح أنّ اليهود (في المدينة) قد سحروا النبي صلّى اللّه عليه و سلم، و قد كان مفعول السّحر ظاهرا كالنسيان و تخيّل بعض الأمور
[١] البئر (م، ع).
[٢] الرازي، التفسير، تفسير قوله تعالى وَ اتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ، ٢/ ٢٣١. و ذكر أيضا، الرازي في التفسير، تفسير سورة الفلق، ٣٢/ ١٩٥، بأن (النفاثات) هن بنات لبيد بن اعصم اليهودي سحرن النبي صلى اللّه عليه و سلم.
[٣] الرازي، تفسير، تفسير سورة البقرة ٢/ ٢٣١.