كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٩٣٧ - حرف السين (س)
الرابع أجمعت الأمم على أنّ الدعاء مظنة الإجابة. و أجمعوا على أنّ الدعاء اللساني الخالي من الطلب النفساني قليل العمل عديم الأثر. فدلّ ذلك على أنّ للهمم و النفوس آثارا، و هذا الاتفاق غير مختص بمسألة معينة و بحكمة مخصوصة.
الخامس أنّ المبادئ القوية للأفعال النفسانية ليست إلّا التصورات النفسانية لأنّ القوة المحرّكة مودعة في العضلات صالحة للفعل و تركه، و لأن يرجح أحد الطرفين على الآخر لا لمرجح و ما ذاك إلّا تصوّر كون الفعل لذيذا أو قبيحا أو مؤلما، بعد أن كانت كذلك بالقوة، فتلك التصورات هي المبادئ لصيرورة القوى العقلية مبادئ بالفعل لوجود الأفعال بعد أن كانت بالقوة، و إذا كانت هذه التصورات هي مباد لمبادئ هذه الأفعال فأيّ استبعاد في كونها مبادئ للأفعال لنفسها و إلغاء الواسطة عن درجة الاعتبار.
السادس أنّ التجربة و العيان لشاهدان بأنّ هذه التصورات مباد قريبة لحدوث الكيفيات في الأبدان فإنّ الغضبان تشتدّ سخونة مزاجه عند هيجان كيفية الغضب لا سيما عند إرادة الانتقام من المغضوب عليه. و إذا جاز كون التصورات مبادئ لحدوث الحوادث في البدن فأيّ استبعاد من كونها مبادئ لحوادث في خارج البدن.
السابع أنّ الإصابة بالعين أمر قد اتفق عليه العقلاء و نطقت به الأحاديث و الحكايات و ذلك أيضا يحقّق إمكان ما قلنا. و إذا عرفت هذا فنقول إنّ النفوس التي تفعل هذه الأفعال قد تكون قوية جدا فتستغني في هذه الأفعال عن الاستعانة بالآلات و الأدوات، و قد تكون ضعيفة فتحتاج إلى الاستعانة بهذه الآلات. و تحقيقه أنّ النفس إن كانت مستعلية على البدن شديدة الانجذاب إلى عالم السموات كانت كأنّها روح الأرواح السماوية، فكانت قوية على التأثير في موارد هذا العالم. و أمّا إذا كانت ضعيفة شديدة التعلّق بهذه اللذات البدنية فحينئذ لا يكون لها تصرّف البتة إلّا في البدن. فإذا أراد الإنسان صيرورتها بحيث يتعدى تأثيرها من بدنها إلى بدن آخر اتّخذ تمثال ذلك الغير و وضعه عند الحسّ و اشتغل الحسّ به، فتبعه الخيال عليه و أقبلت النفس الناطقة عليه، فقويت التأثيرات النفسانية و التصرفات الروحانية. و لذلك أجمعت الأمم على أنّه لا بد لهذه الأعمال من الانقطاع عن المألوفات و المشتهيات و تقليل الغذاء بل الاعتزال عن الخلق. و كلّما كانت هذه الأمور أتمّ كانت هذه التأثيرات أقوى. و السبب فيه أنّ النفس إن اشتغلت بالجانب الواحد اشتغلت جميع قواها في ذلك الفعل. و إذا اشتغلت بالأفعال الكثيرة تفرّقت قواها و توزّعت على تلك الأفعال. و لهذا من حاول الوقوف على مسألة فإنّه حال تفكّره فيها لا بد أن يفرغ خاطره عما عداها، فإنّه عند تفريغ الخاطر يتوجّه بكليته إليها، فيكون الفعل أحسن و أسهل. و إذا كانت كذلك كان الإنسان المشغول الهمّ و الهمّة بقضاء الشهوات و تحصيل اللذات كانت القوة النفسانية مشغولة بها مشغوفة إليها مستغرقة فيها، فلا يكون انجذابها إلى تحصيل ذلك الفعل قويّا شديدا.
و القسم الثالث من السّحر الاستعانة بالأرواح الأرضية، و اعلم أنّ القول بالجنّ أنكره بعض المتأخرين من الفلاسفة. أما أكابر الفلاسفة فإنهم ما أنكروا القول به إلّا أنّه سمّوها بالأرواح الأرضية، بعضها خيّرة و بعضها شريرة. فالخيرة هم مؤمنو الجن و الشريرة هم الكفار، و هي قادرة عالمة، و اتصال النفوس بها أسهل من اتصالها بالأرواح السماوية، إلّا أنّ القوة الحاصلة للنفوس الناطقة بسبب اتصالها بهذه الأرواح الأرضية أضعف من القوة الحاصلة لها بسبب الاتصال بالأرواح السماوية. ثم إنّ