كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٩ - اجزاء العلوم
الجسم الطبعي [١] عن الألوان مع كونها عارضة له بواسطة مباينة، و هو السطح.
و تحقيقه أن المقصود في كل علم مدوّن بيان أحوال موضوعه: أعني أحواله التي توجد فيه و لا توجد في غيره و لا يكون وجودها فيه بتوسّط نوع مندرج تحته، فإن ما يوجد في غيره لا يكون من أحواله حقيقة بل هو من أحوال ما هو أعم منه؛ و الذي يوجد فيه فقط لكنه لا يستعد لعروضه ما لم يصر نوعا مخصوصا من أنواعه، كان من أحوال ذلك النوع حقيقة، فحقّ هاتين الحالين أن يبحث عنهما في علمين موضوعهما ذلك الأعم و الأخص، و هذا أمر استحساني كما لا يخفى.
ثم الأحوال الثابتة للموضوع على الوجه المذكور على قسمين: أحدهما ما هو عارض له، و ليس عارضا لغيره إلّا بتوسّطه، و هو العرض الأولى. و ثانيهما ما هو عارض لشيء آخر و له تعلّق بذلك الموضوع بحيث يقتضي عروضه له بتوسّط ذلك الآخر، الذي يجب أن لا يوجد في غير الموضوع، سواء كان داخلا فيه أو خارجا عنه، إمّا مساويا له في الصدق، أو مباينا له فيه و مساويا في الوجود، فالصواب أن يكتفى في الخارج بمطلق المساواة، سواء كانت في الصدق أو في الوجود، فإن المباين إذا قام بالموضوع مساويا له في الوجود و وجد له عارض قد عرض له حقيقة لكنه يوصف به الموضوع كان ذلك العارض من الأحوال المطلوبة في ذلك العلم، لكونها ثابتة للموضوع على الوجه المذكور.
و اعلم أيضا أنّ المطلوب في العلم بيان إنّية [٢] تلك الأحوال، أي ثبوتها للموضوع، سواء علم لمّيتها [٣] أي علّة ثبوتها له أو لا.
و اعلم أيضا أنّ المعتبر في العرض الأولي هو انتفاء الواسطة في العروض دون الواسطة في الثبوت التي هي أعم، يشهد بذلك أنهم صرّحوا بأنّ السطح من الأعراض الأولية للجسم التعليمي مع أن
[١] الطبيعي (م).
[٢] الأنّية: أنّى كلمة معناها كيف و أين. لسان العرب، مادة أنن. فالنسبة إليها الأنيّة بالهمزة المفتوحة. و في لغة تميم بمعنى كيف و أين و للتوكيد. أما إنّي فتثنية إنّا، و كان في الأصل إنّنا فكثرت النونات فحذفت إحداها، و قيل إنّا، و قوله عز و جل إِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ، المعنى إنّنا أو إنّكم ... كما تقول إنّي و إيّاكم، معناه إنّي و إنك. و النسبة إلى ذلك الإنّية بالهمزة المكسورة. و قد استعمل هذه الكلمة الكندي (المتوفي ٢٥٦ ه) دلالة على الذات و عين الأنا المفردة.
ثم عبّر الحلاج (المتوفي ٣٠٩ ه) عن هذا الفهم في طاسين الالتباس و الأزل ص ٢٨ في تفسيره للفظ عزازيل- إبليس- بالقول: «عين عزازيل لعلو همته و الزاء لازدياد الزيادة في زيادته و الألف آراؤه في إنّيته ...» و هناك تفريق بين الإنّية و الأيّية في الفلسفة و منذ الكندي القائل: «الفصل هو المقول على كثير مختلفين بالنوع منبئ عن أيّية الشيء» رسالة الكندي في الفلسفة الأولى، تحقيق أبي ريدة القاهرة، ص ١٢٩. و بهذا تتميز الإنّية من الأيّية بمثل تميّز الجوهر عن الفصل. الفارابي، المنطق، تحقيق العجم، ج ٣، ص ١٣٢. ثم إن الأمر التبس على اللاحقين.
فذكر طاش كبرى زادة (المتوفي ٩٦٨ ه) في مفتاح السعادة، تحقيق بكري و ابو النور، القاهرة ج ١، ص ٩٣، تحت علم إملاء العربية: «هو علم يبحث بحسب الأنّية و اللميّة عن الأحوال العارضة لنقوش الألفاظ العربية» بينما ورد عند حاجي خليفة (المتوفي ١٠٦٧ ه) في كشف الظنون عن اسامي الكتب و الفنون، مط. المثنى، ص ١٦٩، تحت علم املاء الخط: «هو علم يبحث فيه حسب الأنّية و الكمية عن الأحوال العارضيّة لنقوش الخط العربي.» و نرجح أن خطأ مطبعيا وقع بين اللميّة و الكميّة أدّى لاختلاف الشرح بين حاجي خليفة و طاش كبرى زادة. و الأرجح أن معنى الاصطلاح للإنّية و اللميّة هو أين توضع الحروف و التنوين و ما شابه و كيف يكون الشكل لمواضع الحروف و مواقع التنوين، و لا سيما أن الأصل و الفصل لهما مصطلحاتهما الفلسفية كالماهيّة و الأيّية و الإنّية.
[٣] اللميّة: من لمى: اللمّة: الجماعة من الناس أو المثل يكون من الرجال و النساء. و اللمّة: الشكل: لسان العرب، مادة لما. و بهذا التعريف تلتقي اللفظة مع ما سبق أن شرحناه من معنى الأنّية.