كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٨٩٣ - فائدة
و قد ابتدأ الوحي بالرؤيا الصالحة لمدة ستة أشهر، و النسبة بينهما هي ١/ ٤٦. و لكن «التوريشي» يعترض قائلا: إنّ تعيين مدة النبي (محمد صلى اللّه عليه و سلم) بثلاث و عشرين سنة مسلّم لأنّه ورد في روايات يعتدّ بها، أمّا كون الرؤيا و تعيينها في هذه المدة بستة أشهر فشيء من عند قائله و لا توجد أي رواية أو نصّ مؤيّد لذلك. انتهى.
و الحاصل: هو أنّه من أجل تعيين المدّة المذكورة لا يوجد أصل أو سند صحيح. نعم و لكن مذهب أكثر أهل الحديث أنّه صلى اللّه عليه و سلم خلال الأشهر الستة الأولى كان في رتبة النبوة الخاصة، و كان مكلّفا بتهذيب نفسه خاصّة ثم بعد ذلك أمر بالدعوة و البلاغ أي بالرسالة.
و ليس في مذهبهم لزوم كون النبي داعيا و مبلّغا إذا كان ما يوحى إليه خاصّ به وحده لتهذيب نفسه فهو كاف لتحقّق مرتبة النبوة. و عليه فإن ثبت أنّ الوحي خلال الأشهر الستة الأولى كان في المنام فقط، ثبت و صح حينئذ كلام القائل بذلك.
و لكن محلّ هذا الكلام وفقا لمذهبهم (أهل الحديث). فإذن فالأحوط في باب تخصيص العدد المذكور ١/ ٤٦ هو التفويض لعلم النبوّة، لأنّ أمثال هذه العلوم من خواص الأنبياء، و لا يوصل بالقياس العقلي، إلى كنهها.
و هكذا أيضا حكم الأعداد في جميع المواضع مثل أعداد الركعات في الصلاة و التسبيحات و أعداد أنصبة الزكاة و مقادير الزكاة و عدد الطواف في الحجّ و رمي الجمار و السّعي و أمثال ذلك.
و يقول صاحب «المواهب اللدنية»: ذكر العلماء مراتب الوحي و طرائقها فعدّوا ٤٦ نوعا، و الرؤيا الصادقة واحدة منها.
قال النبي صلى اللّه عليه و سلم: (من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثّل في صورتي) متفق عليه.
و قال بعض أرباب التحقيق: إنّ الشيطان يستطيع التمثّل بصورة الرّبّ، و يكذب و يوقع الرائي في الوسوسة بأنّ ما يراه هو الحقّ، و لكن إبليس لا يستطيع أبدا أن يتمثّل بصورة النبي صلى اللّه عليه و سلم كما لا يستطيع الكذب عليه، و ذلك لأنّ النبي مظهر للهداية و الشيطان مظهر للضلال، و بين الهداية و الضلال تباين. أما الحقّ جلّ و علا فهو مطلق أي أنّه جامع لصفات الهداية و الإضلال و جميع الصفات المتعارضة. ثم إنّ دعوى الألوهية من الكائنات البشرية المخلوقة صريحة البطلان و ليست محلّ شبهة بخلاف دعوى النبوة.
و لهذا إذا ادّعى أحدهم بدعوى الألوهية فيتصوّر حينئذ صدور خوارق العادات منه كما هو حال فرعون و أمثاله، و كما سيكون من المسيح الدجال فيما بعد. و أمّا ادعاء النبوة كذبا فلا تصاحبها معجزة ظاهرة. و إذا صاحبها خرق للعادة فإنما يكون على خلاف دعوى المدّعي و على عكس توقّع المعتقدين. و لذا يقال لخرق العادة للكذاب إهانة، كما حصل لمسيلمة الكذّاب، فقد قال له من حوله: إنّ محمدا تفل على عين رمداء فشفيت، فافعل أنت مثله، ففعل، فعميت عين ذلك الرجل التي تفل فيها.
ثم قالوا له ثانية: إنّ محمدا تفل في بئر غائر ماؤها، ففاضت مياه البئر حتى بلغت أعلى البئر، فافعل مثله. ففعل فجفّت البئر تماما.
ثم اعلم بأنّ ثمة أحاديث كثيرة تدلّ على أنّ كلّ من رأى النبي صلى اللّه عليه و سلم في النوم فقد رآه حقا، و لا يوجد في الأمر أيّ كذب أو شكّ أو بطلان. و ابليس الذي يقدر على التصوّر بعدّة صور سواء في النوم أو في اليقظة فذلك من عمله و خصائصه. و لكنه لا يستطيع أن يتشكّل بصورة النبي أبدا و لا أن يكذب عن لسانه، و يلقى بذلك في خيال الرائي. و قد عدّ جمهور