كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٨٥١ - التقسيم
تقييد، فدخل فيه ما يتعلّق بالفعل كالعبادات و ما يتعلّق بالترك كالمحرّمات، و يؤيّده ما ذكره صاحب الميزان بعد تقسيم الأحكام إلى الفرض و الواجب و السّنّة و النّفل و المباح و الحرام و المكروه و غيرها أنّ العزيمة اسم لكل أمر أصلي في الشرع على الأقسام التي ذكرنا، من الفرض و الواجب و السّنة و النّفل و نحوها لا بعارض، و تقسيم فخر الإسلام العزيمة إلى الفرض و الواجب و السّنة و النّفل بناء على أنّ غرضه بيان ما يتعلّق به الثواب من العزائم، أو على أنّ الحرام داخل في الفرض أو الواجب، و المكروه داخل في السّنّة أو النّفل، لأنّ الحرام إن ثبت بدليل قطعي فتركه فرض، و إن ثبت بظني فتركه واجب، و ما كان مكروها كان ضده سنّة أو نفلا.
و الإباحة أيضا داخلة في العزيمة باعتبار أنّه ليس إلى العباد رفعها. و قوله و هو ما يستباح الخ في تعريف الرّخصة تفسير لقوله [١] ما بني على أعذار العباد. فقوله ما يستباح عام يتناول الترك و الفعل. و قوله لعذر احتراز عما أبيح لا لعذر. و قوله مع قيام المحرّم احتراز عن مثل الصيام عند فقد الرّقبة في الظّهار إذ لا قيام للمحرّم عند فقد الرّقبة. و اعترض عليه بأنه إن أريد بالاستباحة الإباحة مع قيام الحرمة فهو جمع بين المتضادين، و إن أريد الإباحة بدون الحرمة فهو تخصيص العلّة لأنّ قيام المحرّم بدون حكمه لمانع تخصيص له. و أجيب بأنّ المراد [٢] من قوله يستباح يعامل به معاملة المباح برفع الإثم و سقوط المؤاخذة لا المباح حقيقة، لأنّ المحرّم قائم، إلّا أنّه لا يؤاخذ بتلك الحرمة بالنّص، و ليس من ضرورة سقوط المؤاخذة انتفاء الحرمة، فإنّ من ارتكب كبيرة و قد عفى اللّه عنه لا يسمّى مباحا في حقه.
و لهذا ذكر صدر الإسلام الرّخصة ترك المؤاخذة بالفعل مع وجود السّبب المحرّم للفعل و حرمة الفعل، و ترك المؤاخذة بترك الفعل مع وجود الموجب و الوجوب. و ذكر في الميزان الرّخصة اسم لما تغيّر عن الأمر الأصلي إلى تخفيف و يسر ترفيها و توسعة على أصحاب الأعذار.
و قال بعض أهل الحديث الرّخصة ما وسع على المكلّف فعله لعذر مع كونه حراما في حق من لا عذر له، أو وسع على المكلّف تركه مع قيام الوجوب في حق غير المعذور.
التقسيم
الرّخصة أربعة أنواع بالاستقراء عند أبي حنيفة. فنوعان منها رخصة حقيقة ثم أحد هذين النوعين أحقّ بكونه رخصة من الآخر، و نوعان يطلق عليهما اسم الرّخصة مجازا، لكن أحدهما أتمّ في المجازية من الآخر، أي أبعد من حقيقة الرّخصة من الآخر. فهذا تقسيم لما يطلق عليه اسم الرّخصة لا لحقيقة الرّخصة. أما الأول و هو الذي هو رخصة حقيقة و أحقّ بكونه رخصة من الآخر و تسمّى بالرّخصة الكاملة فهو ما استبيح مع قيام المحرّم و الحرمة. و معنى ما استبيح ما عومل به معاملة المباح كما عرفت كإجراء كلمة الكفر مكرها بالقتل أو القطع، فإنّ حرمة الكفر قائمة أبدا، لكن حقّ العبد يفوت صورة و معنى و حقّ اللّه تعالى لا يفوت معنى لأنّ قلبه مطمئن بالإيمان، فله أن يجري على لسانه و إن أخذ بالعزيمة و بذل نفسه حسبة للّه في دينه فأولى و أحبّ إذ يموت شهيدا، لحديث
[١] في تفسير الرخصة بقوله (م، ع).
[٢] المقصود (م، ع).