كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٨١٩ - حرف الذال (ذ)
على معان. منها يقال الذّاتي لكلّ شيء ما يخصّه و يميّزه عن جميع ما عداه. و قيل ذات الشّيء نفسه و عينه و هو لا يشتمل العرض.
و الفرق بين الذّات و الشخص أنّ الذات أعمّ من الشخص، لأنّ الذات يطلق على الجسم و غيره، و الشخص لا يطلق إلّا على الجسم هكذا في الجرجاني. منها في كتاب إيساغوجي فإنّه يطلق في هذا المقام على جزء الماهيّة و المراد [١] به الجزء المفرد المحمول على الماهيّة و هو منحصر في الجنس و الفصل. و ربّما يطلق على ما ليس بخارج و هذا أعمّ من الأول لتناوله نفس الماهيّة و جزئها. و التسمية على الأول ظاهرة و على الثاني اصطلاحية محضة، و الخارج عن الماهيّة يسمّى عرضيّا. و ربّما يطلق الذّاتي على الجزء مطلقا سواء كان محمولا على الماهية أو لم يكن كالواحد للثلاثة.
ثم إنّهم ذكروا للذاتي خواصا ثلاثا، الأولى أن يمتنع رفعه عن الماهيّة بمعنى أنّه إذا تصوّر الذاتي و تصوّر معه الماهيّة امتنع الحكم بسلبه عنها، بل لا بدّ من أن يحكم بثبوته لها.
الثانية أن يجب إثباته للماهيّة على معنى أنّه لا يمكن تصوّر الماهيّة إلّا مع تصوّره موصوفة به أي مع التّصديق بثبوته لها، و هي أخصّ من الأولى لأنّه إذا كان تصوّر الماهيّة بكنهها مستلزما لتصوّر التصديق بثبوته لها، كان تصوّرهما معا مستلزما لذلك التصديق كلّيا بدون العكس، إذ لا يلزم من كون التصوّرين كافيين في الحكم بالثبوت أن يكون أحدهما كافيا مع ذلك. و هاتان الخاصّتان ليستا خاصّتين مطلقتين لأنّ الأولى تشتمل اللوازم البيّنة بالمعنى الأعمّ، و الثانية بالمعنى الأخصّ. الثالثة و هي خاصّة مطلقة لا يشارك الذّاتي فيها العرضي اللازم، و هي أن يتقدّم على الماهيّة في الوجودين الخارجي و الذهني بمعنى أنّ الذاتي و الماهيّة إذا وجدا بأحد الوجودين كان وجود الذاتي متقدما عليها بالذّات، أي العقل يحكم بأنّه وجد الذاتي أولا فوجدت الماهيّة، و كذا في العدميين. لكن التقدّم في الوجود بالنسبة إلى جميع الأجزاء و في العدم بالقياس إلى جزء واحد.
فإن قيل هذه الخاصّة تنافي ما حكموا به من أنّ الذّاتي متّحد مع الماهيّة في الجعل و الوجود لاستحالة أن يكون المتقدّم في الوجود متّحدا فيه مع المتأخّر عنه و تنافي صحّة حمل الذّاتي على الماهيّة لامتناع حمل أحد المتغايرين في الوجود على الآخر، و يستلزم أن يكون كلّ مركّب في العقل مركّبا في الخارج، مع أنّهم صرّحوا بخلافها.
قلنا ما ذكرناه خاصّة للجزء مطلقا فإنّه أينما كان جزء كان متقدّما في الوجود و العدم هناك، فالجزء العقلي متقدّم على الماهيّة في العقل لا في الوجود و لا في الخارج، فلا يلزم شيء مما ذكرتموه. فإذا أريد تميّزه أيضا عن الجزء الخارجيّ زيد الحمل على اعتبار التّقدّم المذكور ليمتاز به عنه أيضا. و هذه الخواص إنّما توجد للذاتي إذا خطر بالبال مع ما له الذّاتي، لا بمعنى أنّه لا تكون ثابتة للذاتي إلّا عند الإخطار بالبال، فربّما لا تكون الماهيّة و ذاتياتها معلومة. و تلك الخاصيّات ثابتة لها فضلا عن إخطارها بالبال، بل بمعنى أنّها إنّما يعلم ثبوتها للذاتيات إذا كانت مخطورة بالبال و الشيء خاطر بالبال أيضا، كذا قيل.
و قد يعرف الذّاتي أي الجزء مطلقا بما لا يصحّ توهّمه مرفوعا مع بقاء الماهيّة كالواحد للثّلاثة، إذ لا يمكن أن يتوهّم ارتفاعه مع بقاء ماهيّة الثلاثة، بخلاف وصف الفردية إذ يمكن أن يتوهّم ارتفاعها عنها مع بقائها. نعم يمتنع
[١] المقصود (م، ع).