كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٧٩٦ - فائدة
اللزوم لا يتوقف على تحقّق الملزوم و لا اللازم، و يجيء أيضا في لفظ القياس مع بيان فائدة قيد تقدير التسليم، هكذا ذكر السيّد السّند في حاشية العضدي. و الظاهر أنّ هذا التعريف شامل للصناعات الخمس مرادف للقياس، و يؤيده ما ذكر الهداد- الهادية- في حاشية الكافية في تقسيم الكلمة إلى الاسم و أخويه من أنّ الدليل و القياس في اصطلاح المنطقيين بمعنى واحد، و هو قول مؤلّف من قضايا متى سلمت لزم عنها لذاتها قول آخر انتهى.
نعم قد يطلق الدليل عندهم على معنى أخصّ أيضا و هو البرهان كما عرفت، و لكن هذا التعريف ليس تعريفا له و إن ذكروه في تعريفه.
قيل و في هذا التعريف الثاني بحث و هو أنّ فيضان النتيجة بطريق العادة عند الأشاعرة و لا استلزام ذاتيا هناك، إذ لا مؤثّر إلّا اللّه سبحانه.
فإن أريد بالاستلزام الذاتي امتناع الانفكاك عنه لذاته عقلا كما هو المتبادر صحّ التعريف الثاني على رأي أصحابه دون الواقع بخلاف الأول فإنّه صحيح مطلقا، إذ لم يذكر فيه الاستلزام الذاتي، و إن حمل على الدوام و الامتناع العادي فقد عدل به عن ظاهره انتهى. يعني أنّ هذا التعريف صحيح عند من عرّفه به غير صحيح بحسب الواقع و نفس الأمر إن أريد بالاستلزام الذاتي ما هو المتبادر منه، أو معدول به عن ظاهره إن حمل الاستلزام الذاتي على الدوام فلا يخلو عن الاضطراب. أقول صحة التعريف يكفي فيها انطباقه على مذهب من يقول به، و كونه غير مطابق للواقع لا يضرّه في صحته كما لا يخفى. و لذا قال المولوي عبد الحكيم في حاشية الخيالي: إن أريد بالاستلزام الذاتي امتناع الانفكاك عنه لذاته عقلا لا يصح التعريف إلّا على مذهب الحكماء و المعتزلة، و إن أريد به امتناع الانفكاك في الجملة عقليا كان أو عاديا يصحّ على رأي الأشاعرة أيضا انتهى. لكن بقي هاهنا شيء و هو أنّ الدليل باصطلاح المنطقيين و الحكماء يباين الدليل باصطلاح المتكلّمين و الأصوليين. فما عرّفه به أحد الفريقين كيف ينطبق على مذهب الفريق الآخر.
أقول أمّا وجه تطبيق هذين التعريفين المذكورين للدليل على مذهب المتكلّمين و الأصوليين فبأن يراد بالقولين الغير المرتّبين، و يراد بالتكوّن و الاستلزام ما يكون بالنظر الصحيح في أنفسهما، فيكون هذان التعريفان تعريفين لأحد قسمي الدليل عندهم و هو المركّب. و أمّا وجه تطبيق تعريف الدليل بأنّه ما يمكن التوصّل بصحيح النظر فيه إلى آخره فبأن يراد بلفظ ما المقدمات المأخوذة مع الترتيب؛ كأنّه قيل الدليل مقدمات مترتّبة يتوصّل بها بسبب النظر الصحيح فيها أي بسبب ترتيبها إلى المطلوب الخبري، هذا ما عندي.
و عرف الدليل أيضا بما يلزم من العلم به العلم بشيء آخر، و المراد [١] بالعلم التصديق مطلقا أو اليقيني بقرينة أنّ الدليل لا يطلق اصطلاحا إلّا على الموصل إلى التصديق المقابل للمعرّف، فخرج المعرّف بالنسبة إلى المعرّف و الملزوم بالنسبة إلى اللازم، فإنّ تصوّر الملزوم يستلزم تصوّر اللازم لا التصديق به. و المراد [٢] بلزومه من آخر كونه حاصلا منه بأن يكون علّة له بطريق جري العادة أو التوليد أو الإعداد بقرينة كلمة من، فإنّه فرّق بين اللازم للشيء و بين اللازم من الشيء فتخرج القضية المستلزمة لقضية أخرى كالعلم بالنتيجة فإنّه يستلزم العلم بالمقدمات المستنتجة منها سواء كانت بديهية أو كسبية. لكن يرد عليه ما عدا الشكل الأول لعدم
[١] و المقصود (م، ع).
[٢] و المطلوب (م، ع).