كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٧٧١ - فائدة
الوجودية خيرات. نعم التجاؤهم في هذه المقدمة بأنها ضرورية غير صحيح و الظاهر أنّها إقناعية، و أنّ الأمثلة التي ذكروها في هذا المقام توقع بها ظنا. هكذا يستفاد من شرح التجريد و حواشيه.
و الأحسن ما قال بعض الصوفية إنّ الوجود خير محض و بالذات لكونه مستندا إلى العزيز الحكيم، و العدم شرّ محض و بالذات لعدم استناده إليه. و قد سبق في لفظ الجمال زيادة تحقيق لهذا. فإنك إذا قابلت المنافع بالمضار تجد المنافع أكثر و إذا قابلت الشر بالخير تجد الخير أكثر، و كيف لا لأنّ المؤمن يقابله الكافر، و لكن المؤمن قد يمكن وجوده بحيث لا يكون فيه شر أصلا من أول عمره إلى آخره كالأنبياء و الأولياء، و الكافر لا يمكن وجوده بحيث لا يكون فيه خير أصلا. غاية ما في الباب أنّ الكفر يحبطه و لا ينفعه و يستحيل نظرا إلى العادة أن يوجد كافر لا يسقي العطشان شربة ماء و لا يطعم الجائع لقمة خبز و لا يذكر ربّه في عمره. و كيف لا و هو في زمان صباه كان مخلوقا على الفطرة المقتضية للخيرات فخلق الخير الغالب، كما أنّ ترك الخير الكثير لأجلّ الشّر القليل لا يناسب الحكمة. ألا ترى أنّ التاجر إذا طلب منه درهم بدينار فلو امتنع و يقول في هذا شرّ و هو زوال الدرهم عن ملكي، فيقال له لكن في مقابلته خير كثير و هو حصول الدينار في ملكك، و كذلك الإنسان لو ترك الحركة اليسيرة لما فيها من المشقّة مع علمه أنّها تحصل له راحة مستمرة ينسب إلى مخالفة الحكمة. فإذا نظر إلى الحكمة كان وقوع الخير المشوب بالشّر القليل من اللطف، فخلق اللّه العالم الذي فيه الشّر لذلك. و إلى هذا أشار اللّه تعالى بقوله إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ [١] فقال اللّه تعالى في جوابهم إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ [٢] أي إني أعلم أنّ هذا القسم يناسب الحكمة لأنّ الخير فيه كثير. و بيّن لهم خيره بالتعليم كما قال وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها [٣] و يعني أيها الملائكة خلق الشّر المحض و الشّر الغالب و الشّر المساوي لا يناسب الحكمة. و أما خلق الخير الكثير فمناسب. فقولهم أ تجعل فيها من يفسد فيها إشارة إلى الشّر و أجابهم اللّه بما فيه من الخير بقوله وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ. فإن قال قائل فاللّه قادر على تخليص هذا القسم من الشّر بحيث لا يوجد فيه شر فيقال له ما قال اللّه تعالى وَ لَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَ لكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ [٤] يعني لو شئنا خلّصنا الخير من الشّر، لكن حينئذ لا يكون خلق الخير الغالب و هو قسم معقول، فهل كان تركه للشّر القليل و هو لا يناسب الحكمة، و إن كان لا، لذلك [٥] فلا مانع من خلقه فيخلقه لما فيه من الخير الكثير. هذا خلاصة ما في التفسير الكبير في تفسير قوله وَ لَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها في سورة الم السجدة.
و في شرح المواقف في خاتمة مقصد أنّه تعالى مريد لجميع الكائنات أنّ الحكماء قالوا الموجود إمّا خير محض لا شرّ فيه أصلا كالعقول و الأفلاك و إمّا الخير غالب فيه كما في
[١] البقرة/ ٣٠.
[٢] البقرة/ ٣٠.
[٣] البقرة/ ٣١.
[٤] السيدة/ ١٣.
[٥] كذلك (م).