كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٦٣٧ - فائدة
فائدة:
في ذكر شروط الحذف و هي ثمانية.
الأول وجود دليل حالي أو مقالي إذا كان المحذوف جملة بأسرها نحو قالُوا سَلاماً [١] أي سلمنا سلاما، و نحو وَ قِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً [٢]. أو أحد ركنيها نحو قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ [٣] أي سلام عليكم أنتم قوم منكرون، فحذف خبر الأولى و مبتدأ الثانية. أو لفظا يفيد معنى فيها هي مبنية عليه نحو تاللّه تفتؤا. و أما إذا كان المحذوف فضلة فلا يشترط لحذفه وجدان الدليل و لكن يشترط أن لا يكون في حذفه ضرر معنوي كما في قولك ما ضربت إلّا زيدا، أو صناعي كما في قولك زيدا ضربته و قولك ضربني و ضربت زيد.
و لاشتراط الدليل امتنع حذف الموصوف في نحو رأيت رجلا أبيض بخلاف رأيت رجلا كاتبا.
و حذف المضاف في نحو غلام زيد بخلاف جاء ربك. و حذف المبتدأ إذا كان ضمير الشأن.
و من الأدلة ما هو صناعي أي تختصّ بمعرفة النحو فإنه إنما عرف من جهة الصناعة و إعطاء القواعد و إن كان المعنى مفهوما كقولهم في لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ [٤] أنّ التقدير لأنا أقسم و ذلك لأنّ فعل الحال لا يقسم عليه. و يشترط في الدليل اللفظي أن يكون طبق المحذوف فلا يجوز زيد ضارب و عمرو أي ضارب، و يراد بالمحذوف معنى يخالف المذكور. و من الأدلة العقل حيث يستحيل صحة الكلام عقلا إلّا بتقدير محذوف، ثم تارة يدل على أصل الحذف من غير دلالته على تعيينه بل يستفاد التعيين من دليل آخر نحو حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ [٥] فإنّه لمّا لم تصح إضافته إلى الإحرام دلّ العقل على حذف شيء، و أمّا تعيينه و هو التناول فمستفاد من قوله عليه السلام و الصلاة «إنّما حرم أكلها» [٦]. و تارة يدل على التعيين أيضا نحو وَ جاءَ رَبُّكَ [٧] أي أمر ربك بمعنى عذابه لأنّ العقل دلّ على استحالة مجيء الربّ تعالى، و على أنّ الجائي أمره. و تارة يدلّ على التعيين عادة نحو فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ [٨] دلّ العقل على الحذف لأنّ يوسف لا يصلح ظرفا للّوم. ثم يحتمل أن يقدّر لمتنني في حبه لقوله تعالى قَدْ شَغَفَها حُبًّا [٩] و في مراودته لقوله تعالى تُراوِدُ فَتاها [١٠]، و العادة دلّت على الثاني لأنّ الحبّ المفرط لا يلام صاحبه عليه عادة لأنه ليس اختياريا بخلاف المراودة. و تارة يدلّ عليه التصريح به في موضع آخر و هو أقواها نحو رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ [١١] أي من عند اللّه بدليل وَ لَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [١٢]. و من الأدلة علي أصل الحذف العادة بأن يكون العقل
[١] الفرقان/ ٦٣.
[٢] النحل/ ٣٠.
[٣] الذاريات/ ٢٥.
[٤] القيامة/ ١.
[٥] المائدة/ ٣.
[٦] أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الذبائح و الصيد، باب جلود الميتة ٦٢، و نص الحديث كما رواه ابن عباس: «أن رسول اللّه (ص) مرّ بشاة ميّتة فقال: هلّا استمتعتم بإهابها؟ قالوا: إنها ميتة. قال: إنما حرّم أكلها». و كذلك اخرجه مسلم في صحيحه كتاب الحيض، باب طهارة جلود الميتة بالدباغ، ١٠/ ٣٦٣.
[٧] الفجر/ ٢٢.
[٨] يوسف/ ٣٢.
[٩] يوسف/ ٣٠.
[١٠] يوسف/ ٣٠.
[١١] البيّنة/ ٢.
[١٢] البقرة ١٠١.