كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٦١ - علم الهيئة
علم الهيئة:
هو من أصول الرياضي و هو علم يبحث فيه عن أحوال الأجرام البسيطة العلويّة و السفليّة من حيث الكميّة و الكيفية و الوضع و الحركة اللازمة لها و ما يلزم منها. فالكمية إمّا منفصلة كأعداد الأفلاك، و بعض الكواكب دون أعداد العناصر فإنها مأخوذة من الطبعيات [١]، و إمّا متّصلة كمقادير الأجرام و الأبعاد و اليوم و أجزائه، و ما يتركّب منها. و أمّا الكيفية فكالشّكل إذ تتبين فيه استدارة هذه الأجسام، و كلون الكواكب وضوئها. و أمّا الوضع فكقرب الكواكب و بعدها عن دائرة معينة و انتصاب دائرة و ميلانها بالنسبة إلى سمت رءوس سكان الأقاليم و حيلولة الأرض بين النيرين، و القمر بين الشمس و الإبصار و نحو ذلك. و أما الحركة فالمبحوث عنه في هذا الفن منها هو قدرها و جهتها. و أمّا البحث عن أصل الحركة و إثباتها للأفلاك فمن الطبعيات [٢]. و المراد باللازمة الدائمة على زعمهم و هي حركات الأفلاك و الكواكب، و احترز بها عن حركات العناصر كالرياح و الأمواج و الزلازل، فإن البحث عنها من الطبعيات [٣]. و أما حركة الأرض من المغرب إلى المشرق و حركة الهواء بمشايعتها و حركة النار بمشايعة الفلك، فممّا لم يثبت، و لو ثبت فلا يبعد أن يجعل البحث عنها من حيث القدر و الجهة من مسائل الهيئة. و المراد بما يلزم من الحركة الرجوع و الاستقامة و الوقوف و التعديلات، و يندرج فيه بعض الأوضاع. و لم يذكر صاحب التذكرة [٤] هذا القيد، أعني قيد ما يلزم منها، و الظاهر أنّه لا حاجة إليه. و الغرض من قيد الحيثية الاحتراز عن علم السماء و العالم، فإن موضوعه البسائط المذكورة أيضا، لكن يبحث فيه عنها لا عن [٥] الحيثية المذكورة، بل من حيث طبائعها و مواضعها و الحكمة في ترتيبها و نضدها و حركاتها لا باعتبار القدر و الجهة.
و بالجملة فموضوع الهيئة الجسم البسيط من حيث إمكان عروض الأشكال و الحركات المخصوصة و نحوها، و موضوع علم السماء و العالم الذي هو من أقسام الطبعي [٦] الجسم البسيط أيضا، لكن من حيث إمكان عروض التغيّر و الثبات. و إنما زيد لفظ الإمكان إشارة إلى أنّ ما هو من جزء الموضوع إمكان العروض، لا العروض بالفعل الذي هو المحمول، فإن ما يكون جزء الموضوع ينبغي أن يكون مسلّم الثبوت، و هو إمكان العروض لا العروض بالفعل.
و قيل موضوع كل من العلمين الجسم البسيط من حيث إمكان عروض الأشكال و الحركات و التمايز بينهما، إنما هو بالبرهان، فإن أثبت المطلوب بالبرهان الإنّي يكون من الهيئة، و إن أثبت بالبرهان اللّمّي يكون من علم السماء و العالم؛ فإنّ تمايز العلوم كما يكون بتمايز الموضوعات كذلك قد يقع بالمحمولات. و القول بأن التمايز في العلوم إنما هو بالموضوع فأمر لم يثبت بالدليل، بل هو مجرد رعاية مناسبة.
اعلم أنّ الناظر في حركات الكواكب و ضبطها و إقامة البراهين على أحوالها يكفيه الاقتصار على
[١] الطبيعيات (م، ع).
[٢] الطبيعيات (م، ع).
[٣] الطبيعيات (م، ع).
[٤] التذكرة النصيرية في الهيئة لنصير الدين محمد بن محمد الطوسي (- ٦٧٢ ه/ ١٢٧٣ م). كشف الظنون ١/ ٣٩١
[٥] من (م).
[٦] الطبيعي (م، ع).