كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٥٨٥ - التقسيم الأول
يحصل هذا الافتقار فحينئذ رؤية الجوهر الفرد على ذلك القدر من المسافة تكون ممكنة. ثم من المعلوم أنّ ذلك الجوهر الفرد لو حصل وحده من غير أن ينضمّ إليه سائر الجواهر، فإنّه لا يرى فعلمنا أنّ حصول الرؤية عند اجتماع جملة الشرائط لا يكون واجبا بل جائزا، فعلى هذا قول المعتزلة بثبوت الملك و الجنّ مشكل فإنّهم إن كانوا موصوفين بالكثافة و الصلابة فوجب عندهم رؤيتهم، مع أنه ليس كذلك. فإنّ جمعا من الملائكة عندهم و عند الأشاعرة حاضرون أبدا و هم الحفظة و الكرام الكاتبون و يحضرون أيضا عند قبض الأرواح، و قد كانوا يحضرون عند الرسول صلى اللّه عليه و آله و سلم و إنّ أحدا من القوم ما كان يراهم. و كذلك الناس الجالسون عند من يكون في النزع لا يرون أحدا فإن وجب رؤية الكثيف عند الحضور فلم لا نراها، و إن لم تجب الرؤية فقد بطل مذهبهم، و إن كانوا موصوفين بالقوة الشديدة مع عدم الكثافة و الصلابة فقد بطل مذهبهم. و قولهم البنية شرط للحياة إن قالوا إنّها أجسام لطيفة روحانية و لكنها للطافتها لا تقدر على الأفعال الشاقة، فهذا إنكار بصريح القرآن، فإنّ القرآن دلّ على أنّ قوتها عظيمة على الأفعال الشاقة.
و بالجملة فحالهم في الإقرار بالملك و الجنّ مع هذه المذاهب عجيب. هكذا في التفسير الكبير في تفسير سورة الجن. و ما يتعلّق بهذا يجئ في لفظ المفارق. و في الينابيع قيل العقلاء ثلاثة أصناف الملائكة و الجنّ و الإنس. فالملائكة خلقت من النور و الإنس خلق من الطين و الجن خلق من النار. فالجن خلقوا رقاق الأجسام بخلاف الملائكة و الإنس. و رووا أنّ النبي عليه السلام قال: (الجن ثلاثة أقسام: قسم منها: له ريش كالطيور تطير. و آخر على هيئة الأفعى و الكلب، و ثالث على هيئة النّاس، و يستطيعون التشكل بأي شكل يريدون) [١]. و في الإنسان الكامل: اعلم أنّ سائر الجنّ على اختلاف أجناسهم كلهم على أربعة أنواع: فنوع عنصريون و نوع ناريون و نوع هوائيون و نوع ترابيون. فأما العنصريون فلا يخرجون عن عالم الأرواح و تغلب عليهم البساطة، و هم أشد قوة. سمّوا بهذا الاسم لقوة مناسبتهم بالملائكة، و ذلك لغلبة الأمور الروحانية على الأمور الطبيعية السفلية [منهم،] [٢] و لا ظهور لهم إلّا في الخواطر. قال تعالى شَياطِينَ الْإِنْسِ وَ الْجِنِ [٣] و لا يترأون إلّا للأولياء. و أما الناريون فيخرجون من عالم الأرواح غالبا و هم متنوعون في كل صورة، أكثر ما يناجون [٤] الإنسان في عالم المثال فيفعلون به ما يشاءون في ذلك العالم، و كيد هؤلاء شديد.
فمنهم من يحمل الشخص بهيكله فيرفعه إلى موضعه، و منهم من يقيم معه فلا يزال الرائي مصروعا ما دام عنده. و أما الهوائيون فإنّهم يترأون في المحسوس يقابلون الروح فتنعكس صورتهم على الرائي فيصرع. و أما الترابيون فإنّهم يلبّسون الشخص و يضرونه برائحتهم، و هؤلاء أضعف الجنّ قوة و مكرا انتهى.
فائدة: قد يطلق لفظ الجنّ على الملائكة و الروحانيين لأنّ لفظ الجنّ مشتق من الاستتار، و الملائكة و الروحانيون لا يرون بالعينين، فصارت كأنها مستترة من العيون، فلهذا أطلق
[١] و روايت كردهاند از پيغمبر عليه الصلاة و السلام كه گفت پريان سه گروهاند يك گروه پرها دارند چون مرغان پرند و يك گروه بر هيآت مار و سگ باشند و يك گروه خود را بر صفت آدميان و هر حيثيتي كه ميخواهند مىگردانند.
[٢] منهم (+ م).
[٣] الأنعام/ ١١٢.
[٤] يفاجئون (م).