كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٥١٥ - فائدة
الاختلاف الواقع بين غير القضيتين، و تقييده بالايجاب و السلب يخرج الاختلاف بالاتصال و الانفصال و الكلّية و الجزئية و العدول و التحصيل. و قولنا بحيث يقتضي يخرج الاختلاف بالايجاب و السلب بحيث لا يقتضي صدق إحداهما و كذب الأخرى نحو زيد ساكن و زيد ليس بمتحرك. و قولنا لذاته أي صورته يخرج الاختلاف الواقع بالايجاب و السلب بحيث يقتضي صدق أحدهما و كذب الأخرى لكن لا لذات الاختلاف بل بخصوصية المادة، كما في إيجاب الشيء و سلب لازمه المساوي نحو زيد إنسان و زيد ليس بناطق، لا يقال أمثال هذا الاختلاف خرجت بقيد الايجاب و السلب لأنها اختلافات بغير الايجاب و السلب فيكون قيد لذاته مستدركا، لأنّا نقول كل قيد قيد به تعريف إنما يخرج ما ينافي ذلك لا ما يغايره، و إلّا لم يمكن إيراد قيدين في تعريف فإنه لو أورد قيدان أخرج كلّ منهما الآخر يلزم جمع متنافيين في تعريف و أنه محال. و أيضا لو أخرج هذا القيد كل اختلاف بغير الإيجاب و السلب خرج عن التعريف الاختلاف في الكمّ و الجهة الذي هو شرط، و بطلانه ظاهر.
ثم إنه ربما يقع في عباراتهم اختلاف القضيتين بحيث يقتضي لذاته صدق إحداهما كذب الأخرى، و حينئذ يكون لذاته عائدا إلى الصدق لا إلى الاختلاف، إذ لا معنى له. و يرد عليه الكليتان كقولنا كل ج ب و لا شيء من ج ب، فإن صدق الأول يقتضي كذب الثاني و بالعكس. و يمكن أن يجاب عنه بأنّ اقتضاء صدق إحدى الكليتين كذب الأخرى لا لذاته بل بواسطة إهمالها على نقيض، يعني كلّ كلية من الإيجاب و السلب يشتمل الجزئية من جنسه.
فالموجبة الكلية مشتملة على نقيض السالبة الكلية و هو الموجبة الجزئية الأخرى فقد رجع العبارتان إلى معنى واحد. قيل لا يصح التعريف لأنّ سلب السلب نقيض السلب، و ليسا مختلفين بالإيجاب و السلب فلا يكون التناقض منحصرا بين الإيجاب و السلب، و أيضا فعلى هذا يلزم أن يكون للسلب نقيضان الإيجاب و سلب السلب.
و أجاب عنه المحقق الدواني أنّ السلب إن أخذ بمعنى رفع الإيجاب فنقيضه الإيجاب فليس سلب السلب نقيضا له لأنه في قوة السالبة السالبة المحمول و هي لا تكون نقيضا للسالبة، و إن أخذ بمعنى ثبوت السلب يكون في قوة الموجبة السالبة المحمول فيكون نقيضه سلب السلب الذي هو في قوة السالبة السالبة المحمول، و لا يكون الإيجاب نقيضا له. فعلى هذا لا يلزم أن يكون للسلب نقيضان بل لكل اعتبار نقيض و يكون التناقض منحصرا بين الإيجاب و السلب. و قال مولانا عبد الحكيم في حاشية القطبي: لا يشتبه على عاقل أنّ النسبة بين الشيئين في نفس الأمر إمّا بالثبوت أو بالسلب لأنّ التصديق بأنّ الشيء إمّا أن يكون أو لا يكون بديهي وليّ، و ليس في نفس الأمر النسبة بين شيئين هي سلب السلب إنّما هو مجرد اعتبار عقل و تعبير عن النسبة الإيجابية بما يلازمه، فلا مغايرة بين الإيجاب و سلب السلب في نفس الأمر لاتحادهما فيما صدقا عليه، إنما هي في العقل، فلا يلزم أن يكون لشيء واحد نقيضان، و أن لا يكون التناقض منحصرا بينهما.
فعلى هذا معنى قولهم نقيض كل شيء رفعه أنّ نقيض كل شيء وجودي أي ما لا يكون مفهومه سلب شيء رفعه. و إذا كان الرفع نقيضا له يكون ذلك الشيء الوجودي أيضا نقيضا له، و هذا هو المستفاد من تعريف التناقض لأنّ الاختلاف بالايجاب و السلب الذي يقتضي لذاته صدق أحدهما و كذب الأخرى إنما يتحقق إذا كان السلب رفعا لذلك الايجاب بعينه لانتفاء الواسطة بينهما حينئذ، و كون التنافي بينهما بالذات.