كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٤٩٦ - تنبيه
آخرين إليه؟ و يمكن أن يقال المعتبر في العلّة التامة الصورة و المادة بدون انضمام إحداهما إلى الأخرى و المعلول هما مع الانضمام، فلا يلزم تقدّم الشيء على نفسه. و ما قيل إنّ ذلك الانضمام إمّا أن يتوقف عليه وجود المعلول فيكون معتبرا في جانب العلة فيلزم المحال المذكور أو لا، فلا يعتبر في المعلول فليس بشيء، لجواز أن يكون ذلك الانضمام لازما لوجود المعلول معتبرا فيه من غير أن يتوقّف عليه وجوده. و لا يلزم من عدم توقف الوجود عدم الاعتبار فتدبر. هذا و المتقدم بالعلّية عند صاحب المحاكمات هو الفاعل مطلقا سواء كان مستقلا بالتأثير أو لا.
اعلم أنّ المتقدم بالعلّية و المتقدّم بالطبع مشتركان في معنى واحد و هو الترتّب العقلي الموجب لامتناع وجود المتأخر بدون المتقدّم، فهذا المعنى المشترك يسمّى التقدّم بالذات أيضا. و ربما يقال للمعنى المشترك التقدّم بالطبع. و يخصّ التقدّم بالعلّية باسم التقدّم بالذات، و الشيخ استعملهما في قاطيغورياس الشفاء كذلك، و في شرح حكمة العين و ربّما يقال للمعنى المشترك التقدم الحقيقي فإنّ ما سواه ليس بحقيقي بل إطلاق لفظ المتقدّم عليه بالعرض و المجاز، فإنّ المتقدّم بالزمان ليس التقدّم له بالذات و الحقيقة، بل لأجزاء الزمان فالتقدّم الحقيقي بين الزمانين و هو بالطبع، لا بين الشخصين، و كذا الحال في التقدّم بالشرف، إذ صاحب الفضيلة ربّما قدّم في الشروع في الأمور أو في منتصب الجلوس فيرجع إلى التقدم الزماني، و الرتبي راجع إلى الزماني أيضا. فإنّه إذا قيل بغداد قبل البصرة فهو بالنسبة إلى القاصد المنحدر، و لا معنى لهذا التقدّم إلّا أنّ زمان وصوله إلى بغداد قبل زمان وصوله إلى البصرة. و أما القاصد المتصعّد فبالعكس و ليس أحدهما قبل الآخر بذاته و لا بحسب حيّزه و مكانه، بل بحسب الزمان على الوجه المذكور، فعلم من هذا أنّ التقدّم ليس مقولا على الخمسة بالتواطؤ و لا بالتشكيك بل بالحقيقة و المجاز كذا قيل انتهى.
قال المتكلّمون هاهنا نوع آخر من التقدّم و هو تقدّم بعض أجزاء الزمان على البعض كتقدم الأمس على اليوم و اليوم على الغد، فإنه ليس تقدما بالعلية و لا بالذات لوجوب اجتماع المتقدم و المتأخر من هذين النوعين، و لا يجوز الاجتماع في أجزاء الزمان و لا بالشرف و الرتبة و هو ظاهر، و لا بالزمان و إلّا لزم أن يكون للزمان زمان و أجاب الحكماء عنه بأنّ ذلك هو التقدّم الزماني و أنه لا يعرض أولا و بالذات إلّا للزمان فإذا أطلقناه على غيره كان ذلك تقدما بالعرض كما أنّ القسمة تعرض للكم أولا و بالذات، فإذا عرضت لغيره كان بواسطة الكم و ذلك لا يوجب للكم كمّا آخر، فكذلك هاهنا إذا قلنا لغير الزمان إنه متقدّم بالتقدم الزماني أردنا أنّ زمانه متقدّم، و لا يوجب ذلك أن يكون للزمان زمان، و هذا مبنى لأبحاث كثيرة بين الطائفتين، منها أنّ الحكماء لما جعلوه راجعا إلى التقدّم الزماني ادعوا قدم الزمان المستلزم لقدم الحركة و المتحرّك، إذ لو كان حادثا لكان عدمه سابقا على وجوده سبقا زمانيا فيلزم وجود الزمان حال عدمه. و المتكلّمون لمّا جعلوه قسما برأسه جوّزوا تقدّم عدم الزمان على وجوده تقدّما يستحيل معه اجتماع المتقدّم مع المتأخّر من غير أن يكون مع عدم الزمان زمان.
تنبيه
التقدّم إن اعتبر بين أجزاء الماضي فكلّما كان أبعد من الآن الحاضر فهو المتقدّم و إن اعتبر فيما بين أجزاء المستقبل فكلّما هو أقرب إلى الآن الحاضر فهو المتقدّم و إن اعتبر فيما بين الماضي و المستقبل فقد قيل الماضي مقدّم