كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٤١ - علم الفقه
البصير بذنبه، المداوم على عبادة ربه، الورع الكافّ عن أعراض المسلمين. قال أصحاب الشافعي [١]: الفقه هو العلم بالأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية، و المراد بالحكم النسبة التامة الخبرية التي العلم بها تصديق و بغيرها تصوّر، فالفقه عبارة عن التصديق بالقضايا الشرعية المتعلّقة بكيفية العمل تصديقا حاصلا من الأدلة التفصيلية التي نصبت في الشرع على تلك القضايا، و هي الأدلة الأربعة: الكتاب و السنة و الإجماع و القياس.
اعلم أنّ متعلّق العلم إمّا حكم أو غير حكم، و الحكم إمّا مأخوذ من الشرع أو لا، و المأخوذ من الشرع إمّا أن يتعلق بكيفية عمل أو لا، و العملي إمّا أن يكون العلم حاصلا من دليله التفصيلي الذي ينوط به الحكم أو لا. فالعلم المتعلّق بجميع الأحكام الشرعية العملية الحاصلة من الأدلة هو الفقه.
فخرج العلم بغير الأحكام من الذوات و الصفات، و بالأحكام الغير المأخوذة من الشرع بل من العقل كالعلم بأن العالم حادث، أو من الحسّ كالعلم بأن النار محرقة، أو من الوضع و الاصطلاح كالعلم بأن الفاعل مرفوع. و خرج العلم بالأحكام الشرعية النظرية المسماة بالاعتقادية و الأصلية، ككون الإجماع حجة و الإيمان به واجبا. و خرج علم اللّه تعالى و علم جبرائيل و علم الرسول عليه الصلاة و السلام، و كذا علم المقلّد لأنه لم يحصل من الأدلة التفصيلية. و التقييد بالتفصيلية لإخراج الإجمالية كالمقتضي و النافي، فإن العلم بوجوب الشيء لوجود المقتضي أو بعدم وجوبه لوجود النافي ليس من الفقه. و المراد بالعلم المتعلق بجميع الأحكام المذكورة تهيؤه للعلم بالجميع بأن يكون عنده ما يكفيه في استعلامه، بأن يرجع إليه فيحكم، و عدم العلم في الحال لا ينافيه [٢] لجواز أن يكون ذلك لتعارض الأدلة أو لعدم التمكن من الاجتهاد في الحال لاستدعائه زمانا، و قد سبق مثل هذا في بيان العلوم المدوّنة و علم المعاني.
ثم إنّ إطلاق العلم على الفقه و إن كان ظنيا باعتبار أنّ العلم قد يطلق على الظنيات كما يطلق على القطعيات كالطب و نحوه. ثم إن أصحاب الشافعي جعلوا للفقه أربعة أركان: فقالوا الأحكام الشرعية إمّا أن تتعلق بأمر الآخرة و هي العبادات، أو بأمر الدنيا، و هي إمّا أن تتعلّق ببقاء الشخص و هي المعاملات، أو ببقاء النوع باعتبار المنزّل و هي المناكحات، أو باعتبار المدينة و هي العقوبات.
و هاهنا أبحاث تركناها مخافة الإطناب، فمن أراد الاطلاع عليها فليرجع إلى التوضيح و التلويح.
و موضوعه فعل المكلف من حيث الوجوب و الندب و الحلّ و الحرمة و غير ذلك كالصحة و الفساد.
و قيل موضوعه أعمّ من الفعل، لأن قولنا: الوقت سبب لوجوب الصلاة من مسائله و ليس موضوعه الفعل. و فيه أن ذلك راجع إلى بيان حال الفعل بتأويل أنّ الصلاة تجب بسبب الوقت، كما أن قولهم النية في الوضوء مندوبة، في قوة أنّ الوضوء يندب فيه النية. و بالجملة تعميم موضوع الفقه مما لم يقل به أحد، ففي كل مسألة ليس موضوعها راجعا إلى فعل المكلّف يجب تأويله حتى يرجع
[١] الشافعي هو الامام محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع الهاشمي القرشي المطلبي، أبو عبد اللّه. ولد في غزة بفلسطين عام ١٥٠ ه/ ٧٦٧ م ثم رحل إلى بغداد فمصر حيث توفي فيها عام ٢٠٤ ه/ ٨٢٠ م. أحد الأئمة الأربعة الكبار في الفقه، أصولي و لغوي و مفسر. له كتب هامة في الفقه و الأصول و الاحكام. الاعلام ٦/ ٢٦، تذكرة الحفاظ ١/ ٣٢٩، تهذيب التهذيب ٩/ ٢٥، وفيات الاعيان ١/ ٤٤٧، إرشاد الأريب ٦/ ٣٦٧، غاية النهاية ٢/ ٩٥، صفة الصفوة ٢/ ١٤٠، تاريخ بغداد ٢/ ٥٦، حلية الأولياء ٩/ ٦٣، طبقات الشافعية ١/ ١٨٥ و غيرها.
[٢] ينفيه (م).