كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٤ - المقدّمة في بيان العلوم المدوّنة و ما يتعلّق بها
و بالنظر إلى المذهب الثاني قال صاحب الأطول [١] في تعريف علم المعاني: أسماء العلوم المدوّنة نحو علم المعاني تطلق على إدراك القواعد عن دليل، حتى لو أدركها أحد تقليدا لا يقال له عالم بل حاك، ذكره السيّد السند [٢] في شرح المفتاح [٣].
و قد تطلق على معلوماتها التي هي القواعد، لكن إذا علمت عن دليل و إن أطلقوا، و على الملكة الحاصلة من إدراك القواعد مرة بعد أخرى، أعني ملكة استحضارها متى أريد، لكن إذا كانت ملكة إدراك عن دليل و إن أطلقوا كما يقتضيه تخصيص الاسم بالإدراك عن دليل كما لا يخفى.
و كذلك لفظ العلم يطلق على المعاني الثلاثة، لكن حقق السيد السند أنه في الإدراك حقيقة، و في الملكة التي هي تابعة للإدراك في الحصول و وسيلة إليه في البقاء، و في متعلّق الإدراك الذي هو المسائل إمّا حقيقة عرفية أو اصطلاحية أو مجاز مشهور. و في كونه حقيقة الإدراك نظر، لأنّ المراد به الإدراك عن دليل لا الإدراك مطلقا حتى يكون حقيقة انتهى. و قال أبو القاسم [٤] في حاشية المطول:
إن جعل أسماء العلوم المدوّنة مطلقة على الأصول و القواعد و إدراكها و الملكة الحاصلة على سواء، و كذا لفظ العلم صحّ.
ثم إنهم ذكروا أن المناسب أن يراد بالملكة هاهنا كيفية للنفس بها يتمكن من معرفة جميع المسائل، يستحضر بها ما كان معلوما مخزونا منها، و يستحصل ما كان مجهولا، لا ملكة الاستحضار فقط المسمّاة بالعقل بالفعل إذ الظاهر أنّ من تمكّن من معرفة جميع مسائل علم بأن يكون عنده ما يكفيه في تحصيلها يعدّ عالما بذلك العلم من غير اشتراط العلم بجميعها فضلا عن صيرورتها [٥] مخزونة، و لا ملكة الاستحصال فقط المسمّاة بالعقل بالملكة، لأنه يلزم حينئذ أن يعدّ عالما من له تلك الملكة مع عدم حصول شيء من المسائل، فالمراد بالملكة أعم من ملكة الاستحضار و الاستحصال؛ قال في
و على المطول عدة هوامش أهمها حاشية السيد الشريف. كشف الظنون عن أسامي الكتب و الفنون، ١/ ٤٧٤؛ معجم المطبوعات العربية، ٦٣٧- ٦٣٨.
[١] الأطول لعصام الدين ابراهيم بن محمد عرب شاه الأسفراييني (- ٩٥١ ه) شرح فيه تلخيص المفتاح للقزويني، القسطنطنية، ١٢٨٤ ه [١- ٢]. اكتفاء القنوع ٣٥٧.
[٢] السيد السند، هو علي بن محمد علي، المعروف بالشريف الجرجاني. ولد بضواحي شيراز عام ٧٤٠ ه/ ١٣٤٠ م، و توفي فيها عام ٨١٦ ه/ ١٤١٣ م. فيلسوف، من كبار علماء العربية. له تصانيف كثيرة و هامة. الاعلام ٥/ ٧، الفوائد البهية ١٢٥، مفتاح السعادة ١/ ١٦٧، دائرة المعارف الاسلامية ٦/ ٣٣٣، الضوء اللامع ٥/ ٣٢٨، معجم المطبوعات ٦٧٨، آداب اللغة ٣/ ٢٣٥.
[٣] شرح المفتاح للسيد الشريف الجرجاني (- ٨١٦ ه)، فرغ السيد من تأليفه سنة ٨٠٣ ه في ما وراء النهر. كشف الظنون ٢/ ١٧٦٣.
[٤] أبو القاسم، هو أبو القاسم بن أبي بكر الليثي السمرقندي. توفي بعد ٨٨٨ ه/ بعد ١٤٨٣ م. عالم بفقه الحنفية، أديب، له عدة مصنفات. الاعلام ٥/ ١٧٣، كشف الظنون ٤٧٥، ٨٧٥، معجم المطبوعات ١٠٤٤، معجم المؤلفين ٨/ ١٠٣، إيضاح المكنون ١/ ١٤٠.
[٥] الصيرورة: صار الأمر الى كذا يصير صيرا و مصيرا و صيرورة ... و الصيرورة مصدر يصير. و صيّرته أنا كذا أي جعلته ... و صيّور الشيء: آخره و منتهاه و ما يؤول إليه ... و ماله صيور أي عقل و رأي ... صار على ضربين: بلوغ في الحال و بلوغ في المكان. (لسان العرب، مادة صير). يتبيّن مما تقدم أن الدلالة اللغوية تفيد حراكية معينة لأمر ما أو شيء ما، يبلغ فيها الواحد منهما أمرا أو حالا أو موضعا. و هذا المصطلح يعبّر أصدق تعبير عن الحال الثالث في جدل هيغل المتصاعد. و يفيد معنىDevenir في الاوروبية، و هو يتباين عنProcessus الذي يقابله لفظ سيرورة على الأرجح.